أمام أطلال فندق وينزرك في قلب طرابلس وقف ليبي يبوح للصحافيين بمكنون نفسه لبضع دقائق حتى بعدما أطبقت عليه عناصر من الحكومة مكلفة مراقبة الأجانب.

يقول الرجل الذي قدم نفسه باسم زروق ويعمل تاجراً إن «الأمر طال والناس يتطلعون للاستقرار»، مضيفاً أنه «في كلتا الحالتين التغيير قادم».

قصف الفندق أثناء الليل الأسبوع الماضي ولم يكن به احد في ذلك الوقت. ووصفت الحكومة الليبية ذلك بأنه مثال على تعمد حلف شمال الأطلسي استهداف المدنيين في حملته المستمرة منذ ثلاثة شهور لإسقاط الزعيم الليبي معمر القذافي.

وقال أحد أهالي المنطقة إن الفندق كان يتردد عليه مسؤولون من الحكومة.

وبسؤاله عما إذا كان مستعدا للإجابة عن مزيد من الأسئلة تحسس الرجل لحيته التي وخطها الشيب منزعجا وطفق يفحص للحظات وجوها تحدق فيه بينهم مرافقون من الحكومة لمراسلين أجانب. وقال في هدوء حازم: «معذرة هناك عيون كثيرة هنا»، وغادر المكان بعد وداع سريع.

ورغم الخوف البادي تذوق الليبيون طعم الحرية بعد 41 عاما من حكم القذافي الاستبدادي بل ويتنامى لديهم الاستعداد والرغبة في الحديث.

وبعد مرور أربعة شهور على بدء التمرد صار هناك صنفان من طرابلس كما صارت ليبيا اثنتين بدلا من ليبيا واحدة، إحداها في طرابلس ومحيطها وتقع تحت سيطرة القذافي والأخرى في الشرق الذي تسيطر عليه المعارضة المسلحة.

في الصنف الأول هناك طرابلس التي يقول مسؤولون فيها من أمثال رئيس الوزراء البغدادي علي المحمودي ان «جميع الليبيين» يقفون وراء القذافي. ويضيف مسؤولون أن من يعارضونه إذا كان موجودين بالفعل فهم من متشددي القاعدة والمجرمين.

في طرابلس تلك هناك حشود من الناس تراهم يلوحون بصور للقذافي، وهؤلاء يقدمون لوسائل الإعلام أثناء رحلات ترتبها السلطات في مناسبات قليلة يسمح فيها للصحافيين بالخروج من فندقهم.

ولكن في طرابلس الأخرى هناك أشخاص مثل زروق وغيره قادرون على التعبير عن آرائهم علنا حتى في وجود مرافقين من الحكومة عن قرب واحتمال تعرضهم للانتقام. وهؤلاء إما يقدمون أنفسهم بأسماء مستعارة او دون أسماء بالمرة لكن تظل لديهم الرغبة في الكلام.

وقال رجل قدم نفسه باسم توني، وهو اسم مستعار: «أظن أن غالبية الناس سعداء بحملة القصف التي يشنها حلف شمال الأطلسي». وأومأ برأسه تجاه أطلال المبنى قائلاً: «هم (الناس) لا يحبون ذلك لكنهم لا يحبون النظام أيضاً». وكان مرافقون من الحكومة يقفون على مسافة قريبة من توني الذي قال إن ذلك «اسمه السحري»، وكان يرتجف أثناء الحديث لدرجة انه أشعل سيجارته بصعوبة. وبعد دقائق قليلة اختفى هو الآخر بين الزحام.

هذا ليس معناه أن جميع الليبيين يرفضون القذافي. فهناك أنصار للزعيم الليبي من خارج قوى الأمن.

ويقول ناشط معارض علماني يستخدم اسم نيز، التقى مع صحافيين من وكالة «رويترز»، إنه «ساذج من يظن أن القذافي ليس له أنصار...إن له (أنصاراً) وهذا واضح».

 

فرصة للتعبير

لكن من ليسوا من أنصار القذافي وجدوا مجالا ليعبروا عما يجيش في صدورهم ويقولون انه بات من الصعب الآن التزام الصمت. وتقول ناشطة قدمت نفسها باسم أمل: «نريد أن نتكلم لأننا حرمنا من أن نقول أي شيء...الآن لا يمكننا التوقف عن الكلام».

وأضافت أمل أن «شعب ليبيا كان مقهورا قرابة 42 عاما والآن ذاقوا طعم الحرية وقد تركوا لخيالهم العنان».

وتقول أمل إنها باتت تسمع موسيقا جديدة، وتقرأ شعراً من نوع جديد منذ الانتفاضة التي أظهرت إبداعاً ليبيا فطريا كان مكبوتا في ظل حكم القذافي.

وتقول ناشطة أخرى استخدمت اسم فاطمة إنها قرأت عن الحرية والاستقلال وأنها عازمة الآن على تجربتها شخصيا. وأضافت: «أدركنا أننا يمكن أن نضحي بأنفسنا من اجل حرية...التعبير... أنا على استعداد لأن أفعل أي شيء حتى أتمكن من الكلام وجعل الناس يسمعون رأيي الصريح علانية».

حتى في أبوسليم، وهو حي في طرابلس كان ينظر إليه حتى وقت قريب على انه معقل للموالين للقذافي، اكتشف صحافيون من «رويترز» خلال زيارة من دون مرافقين حكوميين في الأيام الأخيرة أن تأييد القذافي لم يعد جماعياً كما كان.