قالها لهم صراحة وبملء الفم لن نعتذر عن الحقبة الاستعمارية، هكذا اسكت وزير الخارجية الفرنسي الان جوبيه التيار المطالب بالاعتذار عن الحقبة الاستعمارية في الجزائر.

وكان جوبيه يتحدث إلى مجموعة من الشباب بقاعة المحاضرات في المركز الثقافي الفرنسي بمدينة وهران أول من امس، حين تطرق لموضوع الماضي بين البلدين بكل ما به من تعقيدات، وقال انه «الماضي الذي لا يحاسب عليه الحاضر ويجب أن لا يكون مقياسا للحكم على ما سيكون عليه المستقبل». وذكّر بان الرئيس نيكولا ساركوزي أدان العام 2007 عندما زار الجزائر "النظام الاستعماري الجائر بطبعه".

وجدد مسؤولون فرنسيون في مناسبات كثيرة هذا الموقف، « لكن أن يبلغ الأمر حد الاعتذار عن ذلك الماضي فأعتقد اننا غير جاهزين لذلك لان الإقدام على هذه الخطوة يثير جوانب تاريخية تزيد الوضع تعقيدا».

وقال جوبيه لشباب الجزائر ومن خلالهم للجزائريين الرسميين وغير الرسميين «لقد اتخذنا في فرنسا القرار بعدم الاعتذار الشامل وهو برأيي القرار الأنسب«. وكان الرئيس نيكولا ساركوزي قال للجزائريين مقولته الشهيرة " من غير المعقول أن يحاسب الأبناء والأحفاد على ما اقترفه الآباء والأجداد" وهو بلباقة يرفض دعوات الاعتذار عن الماضي الاستعماري لفرنسا.

استمع الشباب لكلام الضيف، بينما هم يستذكرون كلاما آخر ردده عدد من مسؤولي بلدهم عشرات المرات يتعلق بواجب اعتذار فرنسا على المجازر والتجاوزات التي حدثت خلال الفترة الاستعمارية الممتدة من 1830 إلى 1962، والتي قتل خلالها ملايين من الجزائريين. فلقد صارت المطالبة بالاعتذار من بين اهم «موضات» العقد الأول من القرن الحالي اعتمدها بعض المسؤولين في الجزائر للتعبير عن وطنيتهم.

وكان اهم عرّابي الاعتذار الأمين العام لجبهة التحرير الوطني عبد العزيز بلخادم، الذي سبق أن شغل منصب رئيس الحكومة. وتلقف مسؤولون المطالبة بالاعتذار من كلام عابر قاله الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في خطاب للشعب القاه بمدينة سطيف في مايو 2005 بمناسبة إحياء الذكرى الستين لمجازر الثامن من مايو 1945 التي خلفت 45 الف قتيل في ظرف أيام بكل من سطيف وقالمة وخراطة شرق البلاد.

في ذلك الخطاب هاجم بوتفليقة قانونا جديدا اقره البرلمان الفرنسي في 23 فبراير 2005 يمجد الحقبة الاستعمار ويعتبره فعلا حضاريا. ورأى بوتفليقة في ذلك القانون استفزازا، واشار الى ان فرنسا عوضا عن إصدار هذا القانون كان عليها أن تعترف بجرائمها. لكنه لم يطالب صراحة بالاعتذار، الا ان ما جاء في خطابه من تلميح حوله مسؤولون آخرون إلى مطالبة بالاعتذار، وهو مطلب لم ينل الإجماع في الجزائر.

حيث يرى كثير من المسؤولين الآخرين، بينهم عبد الحميد مهري الشخصية السياسية البارزة في البلاد، ورضا مالك رئيس الحكومة الأسبق الذي كان من بين الوفد الجزائري المفاوض حول وقف النار بين جيش التحرير الجزائري وجيش الاحتلال بداية الستينات من القرن الماضي، وعدد كبير آخر من الشخصيات، أن مجرد المطالبة بالاعتذار هو "انتقاص" من الإنجاز التاريخي الذي حققه الجيل الذي هزم الفرنسيين بالسلاح والذكاء والدهاء.

وانتقد كثير من المثقفين الجزائريين بلخادم ومن سار في فلكه على هذا «الاندفاع» غير المحسوب الذي يسيء للجزائر اكثر مما ينفعها. وقال هؤلاء، ومن بينهم نواب في البرلمان وقادة احزاب، إن مساعي التيار المطالب بالاعتذار داخل الحكم «صبيانية» ولا تعكس موقف اغلب الجزائريين الذين يدركون أن بلدهم انجب جيلا فجر ثورة انتصرت على الفرنسيين وأنهت سيطرتهم وهو اكبر انجاز في تاريخ الأمة الجزائرية، وعلى من جاء بعد ذلك الجيل أن يحقق منجزات جديدة ليس أن يقتات على الماضي، حسب قولهم.