بعد ستة شهور على قيام محمد البوعزيزي بإحراق نفسه وتحول سيدي بوزيد مدينته إلى مركز الزلزال الذي فجر الثورة التونسية التي امتدت إلى العالم العربي، وتسود الشارع التونسي عموماً، وفي سيدي بوزيد خاصة مشاعر متضاربة تراوح بين الفخر وخيبة الأمل لعدم تحقق مكاسب من وراء هذا الدور التاريخي. فالأمور لا تسير بالسرعة المأمولة.

وفي شارع الحبيب بورقيبة في سيدي بوزيد (270 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة) كتب على احد شوارع المدينة "ثورة الكرامة والحرية هي ثورة 17 ديسمبر (اليوم الذي احرق فيه البوعزيزي نفسه) وليس 14 يناير تاريخ فرار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وأمام مقر ولاية سيدي بوزيد التي حاول البوعزيزي صاحب عربة بيع الخضر والفواكه، بلا جدوى مقابلة مسؤولين فيها، قبل إحراق نفسه، تمتد بسطات الباعة. وقال يوسف بائع الخضر: «منذ شهور يتدفق على المدينة صحافيون من العالم بأسره، ومع ذلك فان وضعي لم يتغير». وأيده في ذلك شبان آخرون.

وأضاف شاكياً أنه «في السابق كنت اكسب 100 دينار (50 يورو) أسبوعيا، ومنذ قيام الثورة أصبحت اكسب 20 ديناراً»، وهو بالكاد يخفي حسرته على عهد بن علي (1987-2011).

وقال شاب آخر: «يبدو عبر وسائل الإعلام أن المليارات تنهمر على سيدي بوزيد، لكني لم أر منها مليما واحداً».

ويسود هؤلاء الشبان من غير أصحاب الشهادات كما يقولون شعور بأنه تم نسيانهم مجددا. وهم لا يزالون ينتظرون ما «ستجلبه» لهم الثورة.

وفي دار الشباب القريبة يعقد ثلاثة من أعضاء جمعية الكرامة لوضع حلول تنموية. ويؤكد هشام الدالي (مدرس) انه بعد ثورة 14 يناير «لا قيمة للانتقادات اذا لم تكن مشفوعة ببدائل».

وتقترح جمعيته في هذا السياق مشروع «لجنة تنمية جهوية» تضم ممثلي الدولة والبلديات والمجتمع المدني يبحثون علنا أولويات التنمية في منطقتهم.

ويرى الدالي انه يتعين «تشريك من يعانون من مشاكل ليتمكنوا بأنفسهم من حلها».

بيد أن الحماسة تخبو حال الإشارة إلى زيارة قام بها ثمانية وزراء في الحكومة الانتقالية مؤخرا للولاية. ويعلق هشام الدالي على الزيارة بمرارة قائلاً: «هذه خيانة لقد قدموا لإعلان مشاريع ضخمة دون التشاور» مع الاهالي، مضيفا أن ما وصفه بـ «الخيارات العشوائية» سببت توترات بين سكان المنطقة.

وحتى خارج سيدي بوزيد يرى الكثير من التونسيين أن الأمور لا تسير بالسرعة المرجوة. غير أن مقياس معهد سيغما للاستشارات يقول إن أكثر من 70 في المئة من التونسيين على ثقة بالمستقبل حتى وان كان الحصول على الحرية لا يؤدي إلى نسيان الصعوبات كافة.

وفي الجانب الايجابي للشهور الستة الأخيرة يشير المؤرخ المتخصص في شؤون المغرب العربي بيار فيرميرين إلى «قيام حياة سياسية مع تأسيس العديد من الأحزاب، كما ان البلد لم يغرق في حرب أهلية او ينزلق إلى درجة كبيرة من العنف. ويسود البلاد شعور كبير بالفخر الوطني لكونه مثّل مهد الربيع العربي.

 

تشرذم سياسي

سياسياً، تعيش الساحة السياسية التونسية على وقع تشرذم شديد مع ظهور أكثر من 90 حزبا لا يكاد يعرف معظمها الناخبون. كما انه لم تبرز حتى الآن أي زعامة جديدة.

وفي الجانب السلبي تلقي المخاوف من الكساد الاقتصادي الناجم بالخصوص عن تراجع عائدات السياحة، بظلالها على المشهد التونسي. كما أن الحرب القائمة في ليبيا تؤثر على تونس التي تدفق عليها نحو نصف مليون لاجئ استقبلتهم وتهتم بشؤونهم علاوة على ما يثور من توتر على الحدود.

 

 

 

يوميات التحركات من تونس مروراً بمصر إلى سوريا

 

ديسمبر 2010

17: تونس: بائع الخضار المتجول محمد البوعزيزي يضرم النار في نفسه بسيدي بوزيد، احتجاجا على مصادرة الشرطة بضاعته، فيشعل شرارة الاحتجاج على البطالة وغلاء المعيشة، ويعطي إشارة الانطلاق للثورات في البلدان العربية.

 

يناير 2011

14: تونس: بعد حكم استمر 23 عاما، يهرب الرئيس زين العابدين بن علي إلى السعودية، بضغط من الانتفاضة.

14: الأردن: بداية تظاهرات احتجاج على غلاء المعيشة وللمطالبة بالإصلاحات. وفي 12 يونيو، يعد الملك عبدالله الثاني بإصلاحات لتشكيل حكومة من أكثرية برلمانية.

25: مصر: بداية تظاهرات تتحول أعمال شغب ضد نظام الرئيس حسني مبارك، الذي يتولى السلطة منذ 1981، وتسفر عن 846 قتيلا خلال 18 يوما.

27: اليمن: آلاف المتظاهرين في صنعاء يطالبون بتنحي الرئيس علي عبدالله صالح، الموجود في الحكم منذ 33 عاما. ويعتصم شباب الثورة في صنعاء ابتداء من 21 فبراير.

 

فبراير 2011

11: مصر: مبارك يتنحى ويسلم الجيش السلطة. وحدد موعد محاكمته ومحاكمة نجليه في الثالث من أغسطس.

15: ليبيا: بدء ثورة شعبية ضد العقيد معمر القذافي الذي يتولى الحكم منذ 1969.

 

مارس 2011

15: سوريا: تظاهرة في دمشق ضد نظام الرئيس بشار الأسد الذي يتولى الحكم منذ 2000. استخدم النظام القوة لقمع التظاهرات التي انطلقت من درعا (جنوب غرب) وامتدت حتى الشمال الغربي.

19: هجوم لواشنطن وباريس ولندن بتفويض من الأمم المتحدة، فيما تهاجم كتائب القذافي بنغازي (شرق) معقل المتمردين. وفي 20، التحالف يشن غارات على طرابلس. وفي 31، الحلف الأطلسي يتولى قيادة العملية.

 

ابريل 2011

21: سوريا: إلغاء حالة الطوارئ المطبقة منذ 1963.

 

يونيو 2011

1: البحرين: رفع حالة الطوارئ بعد دعوة الملك حمد بن عيسى آل خليفة الى حوار وطني ابتداء من الأول من يوليو.

3: اليمن: هجوم على القصر الرئاسي (11 قتيلا و124 جريحا). إصابة الرئيس علي عبدالله صالح ونقله إلى الرياض للمعالجة.

13: سوريا: الجيش يوسع عمليته إلى الشمال الشرقي ويرسل دباباته إلى مناطق قريبة من الحدود العراقية. وأسفرت عمليات القمع عن أكثر من 1200 قتيل بالإجمال (الأمم المتحدة).

14: ليبيا: 14 بلدا اعترف بالمجلس الوطني الانتقالي. مقتل ما بين 10 آلاف إلى 15 ألف شخص، وتهجير أكثر من 950 ألفاً.

واشنطن تعاملت ببراغماتية مع الثورات العربية

تعاملت الولايات المتحدة بحذر وبراغماتية مع الانتفاضات في العالم العربي، متأرجحة بين مساعيها لإنقاذ استقرار منطقة مهمة والرغبة في دعم التطلعات الديمقراطية للشعوب.

في سبتمبر 2010 أجرى الرئيس الأميركي باراك أوباما استقبالا حافلا لنظيره المصري آنذاك حسني مبارك في إطار إنعاش عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية. في 11 فبراير التالي اقر باستقالة الأخير بعد احتجاجات غير مسبوقة، قائلا إن «الشعب المصري قال كلمته». ومنذ انطلاق التحركات الشعبية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كانت مواقف إدارة أوباما متباينة إزاء الأحداث التي شهدتها المنطقة والتي لم تكن قادرة على التأثير فيها بشكل كبير. وقال أوباما في 19 مايو في كلمة مخصصة للأحداث في المنطقة إنه «ليست الولايات المتحدة من دفع بالناس إلى الشوارع في تونس والقاهرة. الناس أنفسهم أطلقوا الحركة»، داعيا إلى الانحناء تقديرا لهم.

ومثالا على تباين مواقفه، دعا البيت الأبيض العقيد الليبي معمر القذافي الى مغادرة السلطة وانخرط في عملية عسكرية لدعم الثوار في ليبيا. أما في سوريا، فحضّ البيت الأبيض الرئيس بشار الأسد على «قيادة المرحلة الانتقالية او التنحي».

ويكرر المتحدثون باسم البيت الأبيض أن «كل بلد مختلف بظروفه» لتبرير الفرق في ردود فعل واشنطن على الأحداث التي تعيد ترتيب الأوراق السياسية في المنطقة بعد جمود مطول. ومن بين المصالح الأخرى التي تسعى واشنطن إلى حفظها امن حليفتها إسرائيل. فيوم سقوط مبارك دعا البيت الأبيض القاهرة إلى احترام اتفاق السلام مع الدولة العبرية.

وتواصل الولايات المتحدة عملياتها ضد القاعدة في جزيرة العرب بالرغم من الغموض المحيط بمصير نظام الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، الذي يواجه كذلك ثورة عنيفة، ويمضي فترة نقاهة في السعودية بعد إصابته في هجوم.

وعوضا عن التطرق إلى تحالفات واشنطن مع أنظمة متسلطة باسم حفظ امن الولايات المتحدة التي يبقى بعضها مهما لمواجهة النفوذ الإيراني فضل أوباما في 19 مايو التحدث عن فرص نشأت عن الأحداث الأخيرة، ولا سيما على المستوى الاقتصادي. ووعد بتغيير المقاربة الاميركية حيال المنطقة، ملمحا إلى مساعدات اقتصادية إلى الدول التي تسعى إلى الديمقراطية على غرار برنامج المساعدة لإعادة إعمار أوروبا الشرقية بعد سقوط الستار الحديدي. وخلال جولات الرئيس الأميركي في مارس في أميركا اللاتينية وفي مايو في أوروبا قارن الأحداث الجارية في العالم العربي بانتقال دول على غرار البرازيل وتشيلي وبولندا إلى صفوف الديمقراطيات التمثيلية في السنوات الـ 30 الفائتة.