يشكل قرار مصلحة السجون الإسرائيلية بإغلاق بعض الملفات الطبية لأسرى مرضى تصريحا صريحاً بإعدام هؤلاء الأسرى الذين شلت أطرافهم وتعطلت وظائف أعضائهم، سواء كان من الرصاص الإسرائيلي الذي اخترق جسدهم أو من خلال تجارب العلاج غير الناجحة التي تتبعها مصلحة السجون معهم.
مليئة الحكايات التي تقشعر لها الأبدان حينما تسمع ظلم بشرية بهذه الصورة البشعة التي لن ترضاها كافة الديانات على السواء, داخل القضبان الحديدية التي سلبت حرية ما يقارب 6000 آلاف أسير, ولعل أقسى تلك الحكايات هي آهات الوجع المؤلم التي ينادي بها الأسرى مطالبين بحقهم في العلاج أو تخفيف الآلام على الأقل , عدا عن الإعاقات التي سببتها عذابات السجان للكثير منهم.
فبحسب التقارير الطبية، هناك عشرات من المعتقلين الذين أجمع الأطباء على خطورة حالتهم الصحية ، وحاجتهم الماسة للعلاج وإجراء عمليات جراحية عاجلة ترفض إدارة السجون نقلهم للعيادات أو المستشفيات، ولا زالت تعالجهم بحبة الأكامول (مسكّن) التي يصفها الأطباء لجميع الأمراض على اختلافها.
وأدى التأخر المتعمد في إجراء عمليات جراحية عاجلة لبعض الأسرى الذين يعانون من أمراض خطيرة وصعبة إلى انعدام الأمل في الشفاء وتعرض الأسرى إلى خطر حقيقي على حياتهم.. في حين تخلو سجون الاحتلال من الأجهزة الطبية المساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة، كالأطراف الصناعية لفاقدي الأيدي والأرجل، والنظارات الطبية، والمقاعد المتحركة، والفرشات الطبية والمشدّات، أو أجهزة خاصة بالأسرى الذين لا يستطيعون السير، وكذلك أجهزة التنفس والبخاخات لمرضى الربو والتهابات القصبة الهوائية المزمنة، وهذا يزيد من معاناة الأسرى المعاقين.
وأشار الخفش إلى أن الأسرى المعاقين لا يحظون بمعاملة إنسانية خاصة نظراً للظروف الصعبة التي يعانون منها، ويتعرضون لكافة الانتهاكات والممارسات التعسفية التي يعانى منها بقية الأسرى، ويحرمون من احتياجاتهم الخاصة، ولا تتوفر لهم الرعاية والمتابعة الطبية اللازمة، بل قد يتعرضون للضرب والإهانة خلال عمليات التفتيش والقمع التي تمارسها سلطات السجون بشكل كثيف.
كذلك لا تراعي ظروفهم في عمليات النقل للمحاكم أو العيادات أو التنقلات بين السجون، حيث يخضعون للركوب في سيارة البوسطة التي لا تناسب الأصحاء فلا يوجد بها مكان للجلوس، وقد تستمر عملية النقل لعشر ساعات أو أكثر دون أن يسمح لهم بقضاء الحاجة أو الأكل أو الشرب، ويتواجد أغلب الأسرى المعاقين في مستشفى سجن الرملة والذي يصفه الأسرى بأسوأ من السجن حيث يفتقد لمقومات المستشفى من حيث الرعاية والاهتمام بالمرضى، وتعرضهم الدائم للاستفزازات والمضايقات على يد إدارة السجن.
قصص مؤلمة
قصة مرض أقدم أسير فلسطيني عميد الأسرى أكرم منصور تحكي نموذجاً لتجاهل السجن لحالته الصعبة حيث يصارع مرض السرطان منذ عدة سنوات إلى جانب مجموعة من الأمراض جراء تعرضه للضرب والتعذيب في زنازين التحقيق التي مكث فيها أكثر من ثمانية شهور, وأصيب في ثقب بأذنه جراء الضرب وإصابة أخرى في يده اليمنى، وتساقط في الأسنان، وأمراض جلدية، وضغط في الدم، وورم في الدماغ، غيبه عن الوعي لساعات قاربت المئة.
ويروي منصور لمركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان أصناف العذاب التي تعرض لها في سنوات سجنه، معتبراً أن الأيام والأعوام التي قضاها في الأسر أكثر من سنوات عمره خارجه، ولكل يوم ودقيقة حكاية وصورة.
سلسلة من حكايات التعذيب الغريبة التي لا تزال تلتصق في ذاكرة الأسير والتي لها علاقة في مرضه, يتحدث عن ذلك متسائلاً: «كيف أنسى عندما قام السجان في سجن الجلمة في إحدى أيام التحقيق المريرة بسكب وجبة طعام على الأرض وواصل ضربي لإرغامي على تناولها، وفي مرة أخرى سكبوا علي دلو البول وأعادوني للزنزانة، وعندما حضر الضباط وتقدمت بشكوى أخرجت من الزنزانة وأرغمت على التعري أنا وباقي الأسرى ورشونا بالماء».
حكاية أخرى تسبب فيها السجان بمرض الأسير محمد مصطفى عبدالعزيز من مخيم جباليا شمال قطاع غزة, والذي أصيب بشلل نصفى نتيجة التعذيب والظروف السيئة داخل السجون، فلم يتلق العلاج اللازم له إنما بقي على حاله يتألم ويشكو دون مغيث يخفف من أوجاع إصابته جراء التعذيب اللاإنساني.
لم يسلب السجان حرية الأسير عبدالعزيز فقط, إنما سلب منه قدرته على الحركة بسبب تعرضه لأبشع وسائل التعذيب, ولقي إهمالاً طبياً مقصوداً وهو في حالة تحتاج إلى الرحمة والإنسانية, ذاق مرارة السجن وعايش سوء الأوضاع المعيشية داخله فتدهورت صحته, إلى أن أصيب بشلل نصفي وأصبح يتحرك على كرسي.
أمضى أكثر من ثلثي محكوميته منذ أن اعتقل في العام 2000، وأصبح مقعداً, وترفض سلطات الاحتلال إطلاق سراحه كما أنها ترفض علاجه.
مكفوفون خلف القضبان
وفي مشهد آخر أكثر ألماً انتقيناه من داخل السجن قد تعجز الأقلام عن وصف مدى المعاناة التي يقاومها أسير سلب منه الاحتلال نور عينيه ليصبح كفيفاً عاجزاً عن الرؤية.
الأسير المقدسي علاء الدين أحمد رضا البازيان أقدم أسرى محافظة القدس والمعتقل إبريل 1986 والمحكوم مدى الحياة, والذي حدثنا عن معاناته من داخل السجن , فعادت ذاكرته إلى الوراء تتذكر العام 1979 وهو موعد اعتقاله حينما كان جريحاً مصاباً في العينين والبطن والرأس والقدم وكان فاقداً للوعي ونقل لمستشفى هداسا عين كارم ومن ثم فقد بصره.
تجتمع الآلام في حياة الأسير البازيان حيث يعاني الحرمان وتحوله القضبان والأصعب من هذا غياب نور البصر الذي عوضه في نور القلب , يروي جزءا يسيرا من معاناته داخل السجن: «تاج إلى أسير آخر لأتمكن من الحركة ومن أجل الذهاب إلى المرحاض ومن أجل تناول الطعام أو حتى الكتب يقرأها الأسرى لأجلي, فشؤون حياتي جلها تعتمد على الأسرى الآخرين».