أفرزت أحداث الجمعة الماضية منحنى جديداً في الواقع السياسي العراقي الهش والمترهل، بعد أن تحول الموضوع من خلاف بين الشارع والحكومة، إلى نزاع بين حزب الدعوة الحاكم برئاسة نوري المالكي وكتلة العراقية برئاسة إياد علاّوي، ما أثار قلقاً داخلياً من أن تعيد الأزمة البلاد إلى عهد حكم الحزب الواحد أو الفرد القائد.
ويرى مراقبون أن الطرفين أعلنا عن تأييدهما لمطالب الشارع، رغم أن تأييد الطرف الحكومي «جاء متأخراً ومتطرفاً» في آن واحد.
ورغم أن تظاهرات 14 فبراير في ساحة الفردوس لم تكن سياسية، وإنما نظمها شباب «فيس بوك»، بمناسبة «عيد الحب»، وكان شعارهم «الحب للعراق»، إلا أنها جوبهت بالقمع والمنع بحجة أن الساحة تحت الصيانة استعداداً للقمة العربية. ثم جاءت تظاهرات 25 فبراير، بمناسبة ذكرى مرور شهر على انطلاق الثورة في مصر، وخصصت لرفع شعارات تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد. إلا أن الحكومة، وعلى لسان رئيسها نوري المالكي، حولتها إلى تظاهرات سياسية. واستبق المالكي تلك التظاهرات، بالتحذير منها، واتهام منظميها بأنهم من «البعثيين وأتباع القاعدة»، وتم إعلان الحظر على سير المركبات، كما أغلقت شوارع بغداد الرئيسية، وانتشرت القوات الأمنية لتمنع أو تعتقل المتوجهين إلى ساحة التحرير، ما دفع الموجودين في الساحة، ممن تمكنوا من الوصول إليها، إلى الرد على الاتهامات الحكومية، بترديد شعار «كذّاب نوري المالكي كذّاب».
وعد الـ 100 يوم
وبعد أن سالت دماء، وتكشفت الحقائق، بأن المتظاهرين لا تقف وراءهم جهات سياسية معينة، وبعد أن اعتبرت كل الأطراف السياسية والمدنية، مطالب المتظاهرين مشروعة وحقيقية، اعترف رئيس الوزراء بالواقع، وبمشروعية المطالب، ووعد بتنفيذها خلال مئة يوم، الأمر الذي رآه المراقبون وعداً «خيالياً» يتسم بأقصى درجات الفردية، لأنه «لا يفترض أن يصدر في دولة لها مجلس وزراء ومجلس نواب، أو حتى حزب».
وأمام هذا التخبط، انبرى بعض السياسيين في إعطاء التبريرات بأن الـ 100 يوم لا علاقة لها بمطالب المتظاهرين، وإنما لتقويم أداء الوزارات، وان عملية الإصلاح تحتاج إلى سنوات. فيما رأى آخرون أن هذا الوعد «ديماغوجي» لامتصاص غضب الشارع، وهو ينطلق من نفس منطلقات «التسويف»، التي اعتاد عليها العراقيون طيلة السنوات الست الماضية من حكم «الدعوة»، والتي استشرى فيها الفساد المالي والإداري، وتدنت الخدمات بشكل غير مسبوق.
«سوبرمان»
وخلال المئة يوم ذاتها أيضاً، تصاعدت عمليات العنف والاغتيالات بالأسلحة الكاتمة للصوت، وشهدت البلاد انهياراً أمنياً كبيراً، يرجعه الكثيرون إلى عقلية «السوبرمان»، الذي يرأس الوزارات الأمنية الثلاث بالوكالة: الدفاع والداخلية والأمن الوطني، ولم يجد من هو أصلح أو أكفأ منه لإدارة أي منها.
عروس الدجيل
لذا، كان لابد من إيجاد منفذ للتخلص من «ورطة المئة يوم»، وإلهاء الشارع بأمور أخرى، منها ما عرضته قناة «العراقية» الرسمية الأربعاء الماضي، عن قيام مجموعة مسلحة باختطاف عروس واغتصابها وقتلها، إلى جانب العديد من الضحايا، وذلك في العام 2006، إبّان حكم حزب «الدعوة». وتمت الدعوة إلى خروج تظاهرات في ساحة التحرير، في نفس وقت التظاهرات الجماهيرية «الإصلاحية»، للمطالبة بإعدام منفذي تلك الجريمة قبل محاكمتهم.
وقد حشدت الحكومة لهذه التظاهرة المئات من أعضاء مجالس الإسناد في المحافظات، الذين رفعوا صور إياد علاّوي إلى جانب صور المتهم في تلك القضية.
تفاعلات
هذه الأحداث والاشتباكات التي حصلت في ساحة التحرير خلال الفترة الماضية، دفعت علاّوي إلى اتهام قادة «الدعوة» بالكذب وإيهام الجماهير والدكتاتورية، طيلة السنوات الماضية، ما دفع حزب «الدعوة» إلى إقامة دعوى قضائية ضد علاّوي، فيما رفعت «العراقية» دعوى مقابلة ضد «الدعوة» لـ«استغلاله المال العام لغرض تثبيت حكمه، وجلب البلطجية لقمع المتظاهرين، إضافة إلى استخدام مجالس الإسناد المدفوعة الأجر من أموال الدولة، لقمع المتظاهرين، والتظاهر تأييداً للمالكي». وهو ما دفع نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي إلى المطالبة بفك ارتباط تلك المجالس بالقائد العام للقوات المسلحة، وربطها بمجلس النواب، كونها منظمات يفترض أنها مدنية.
