مشهد لم تألفه مصر كثيراً منذ اندلاع ثورة الـ25 من يناير، فالقوات المسلحة التي تعتبرها وسائل الإعلام المصرية «خطا أحمر» اعتادت أن تكون فوق النقد منذ ثورة يوليو 1952، فلم يكن الجيش المصري أو أحد قياداته في موضع انتقاد أو جدل من قبل، وأكثر من ذلك فالمواد الإعلامية المنشورة عن المؤسسة العسكرية في وسائل الإعلام المصرية، تخضع لرقابة شديدة من أجهزة سيادية تابعة للجيش، وحتى الضيوف الذين يظهرون أو يدلون بأحاديث لوسائل الإعلام لا يحق لهم التعرض لأي شأن من شؤون القوات المسلحة المصرية.
إلا أن الفترة التي تلت الثورة شهدت تخطياً واضحاً لهذه القواعد وظهر على شاشات التليفزيون المصري والفضائيات بل وعلى صفحات الصحف الجرائد من يتحدث عن أمور تمس المؤسسة العسكرية، بل ويوجّه لها انتقادات صريحة؛ على اعتبار أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة (الحاكم) أصبح لاعبا رئيسيا في المشهد السياسي.
وبدا هذا الأمر واضحا بعد قيام النيابة العسكرية خلال اليومين الماضيين بالتحقيق مع عدد من الإعلاميين من بينهم المذيعة ريم ماجد والتي تعمل بقناة «أون تي.في» بعد أن استضافت في برنامجها حسام الحملاوي؛ الذي وجه انتقادات للشرطة العسكرية المصرية.
وخضع الكاتب الصحفي نبيل شرف الدين للتحقيق أيضا بعد تصريحه عبر مداخلة للبرنامج بوجود صفقة أو تفاهم بين الجيش وجماعة الإخوان المسلمين، كما انضم لقائمة التحقيقات كل من رئيس تحرير الوفد الأسبوعي سيد عبدالعاطي والصحفي في الجريدة حسام السويفي، بعدما نشرا تحقيقا ادعى وجود صفقة بين مرشد الإخوان د. محمد بديع والسلفيين مع قيادات المجلس العسكري بعد أسبوعين من تخلي مبارك عن السلطة.
على صعيد متصل، اعتبر ثلاثة من المستشارين المصريين أعضاء السلك القضائي المصري بدرجة رؤساء محاكم أن إحالتهم للتحقيق أمام جهاز التفتيش القضائي بوزارة العدل المصرية إهانة لهم، وكان وزير العدل المستشار محمد عبدالعزيز الجندي، أحال كلا من حسن النجار وعلاء شوقي وأشرف ندا إلى التحقيق بالتفتيش القضائي بعد إدلائهم بتصريحات يطالبون فيها بإلغاء المحاكم العسكرية للمدنيين.
مرحلة دقيقة
يقول الكاتب والمحلل السياسي د. وحيد عبدالمجيد، إن مصر تمر الآن بمرحلة انتقالية ووضع استثنائي يحتاج فيه الإعلامي إلى مستوى مهني عالٍ لمعالجة الأحداث، ويعترف عبدالمجيد بأن هناك بالفعل العديد من التجاوزات التي ارتكبت في المرحلة الماضية من بعض الصحفيين والإعلاميين، وهي أخطاء يصفها عبدالمجيد بأنها «غير مقصودة» لكنها تسبب القلاقل وتثير مشكلات خطيرة في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها مصر بعد الثورة.
واعتبر عبدالمجيد أن مثل هذه الفترة قد تتطلب فرض قيود وأوضاع استثنائية على وسائل الإعلام، محذرًا في نفس الوقت من أن أي أخطاء إعلامية قد ترتكب في مثل هذه المرحلة قد تفسد علاقة الجيش بالشعب، وهي علاقة لا يمكن المخاطرة بإفسادها، مؤكدا أن الإعلامي الذي يقع في خطأ يضعه تحت طائلة القانون يجب أن يحاكم ولا فرق بين أن يحاكم أمام محكمة مدنية أو عسكرية؛ طالما أن معيار العدالة والشفافية متبع في التحقيقات والمحاكمات.
