يبدو أن واشنطن ما عادت تكتفي بالوقوف بوجه أي قرار دولي يدين أو حتى يغمز من زاوية إسرائيل. فهذا صار مسألة متوقعة ومعروفة. تمرين دبلوماسي، دأبت كافة الإدارات الأميركية على ممارسته في الأمم المتحدة وبقية الوكالات التابعة لها. مثل هذه الإدانة أو حتى الملامة، من الممنوعات في القاموس الأميركي؛ بصرف النظر عن مدى فجور العدوانية الإسرائيلية وفجاجتها.
تغطية
الآن تمادت التغطية الأميركية لإسرائيل فصارت تشمل المقاطعة المسبقة لأي مؤتمر دولي، يشتم منه التصويب بإصبع الإدانة أو حتى الشجب لإسرائيل وممارساتها في الأراضي المحتلة. آخر نموذج، قرار إدارة الرئيس أوباما، أمس الأول، مقاطعة «المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية»، المزمع عقده في مقر الأمم المتحدة يوم 21 سبتمبر المقبل.
تعليل
تعليلها لهذا الموقف، أنها تتوقع أن يأتي المؤتمرون على ذكر إسرائيل وبلغة «معادية للسامية»، كما سبق وحصل في دورات سابقة. وخاصة في الأولى عام 2001 في ديربارن، جنوب أفريقيا؛ حيث كانت لغة بيانه الختامي «غير منصفة لإسرائيل التي تمّ الاستفراد بها»، على ما زعمه الناطق الرسمي في وزارة الخارجية.
والمعروف أن مداولات تلك الدورة شملت الممارسات الإسرائيلية بالنقد الذي تستحقه. وكأنه كان المطلوب الإشادة بها! ويومئذٍ تبنّت بعض المنظمات المشاركة في المؤتمر مشروع قرار يوازي الصهيونية بالعنصرية. أعربت واشنطن، في حينه عن غيظها من هذا التصرف.
في الدورة الثانية، عام 2009 في جنيف، انسحب الوفد الأميركي ومعه وفود أوروبية من قاعة المؤتمر، احتجاجاً على خطاب الرئيس الإيراني؛ الذي هاجم إسرائيل بشدة وتعرّض لسيرة الهولوكست.
تصويت على هذه الخلفية، صوّتت واشنطن في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ديسمبر الماضي، ضدّ المشاركة في إحياء الذكرى العاشرة، في ديسمبر المقبل؛ لمؤتمر ديربارن.
وفي آخر هذا الأسبوع عادت لتؤكد مقاطعتها له. الذرائع، نفسها. أقبح من ذنب. طبعاً سارعت أصوات في الكونغرس إلى الإشادة بقرار الإدارة، باعتبار أن عقده «في مدينة نيويورك وبعد أيام قليلة من ذكرى 11/9، يشكل إهانة لأميركا»، على ما قالت السناتور كريستين غيليبران. ربط متعسّف بين هذا التاريخ المشؤوم وبين محارة العنصرية. لكن ذلك ليس غريباً على أهل الكونغرس، الملكي أكثر من الملك؛ عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وخدش شعورها. ولو بالتلميح.
تحريض
وليس هذا فحسب، بل يجري العمل من الآن على خط آخر، لتحريض الكونغرس والإدارة على النزول بثقلهما، من خلال الورقة المالية، لقطع الطريق على تصويت الأمم المتحدة بشأن إعلان الدولة الفلسطينية في سبتمبر. الأول من خلال تلويحه بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية. والإدارة من خلال، حملها على تحذير المنظمة الدولية بحرمان موازنتها من الحصة المتوجبة على واشنطن 25% لو مضت بالتصويت. سلاح سبق واستعملته واشنطن أيام بوش الأب عام 1989، عندما حاولت «م.ت.ف». اعتماد اسم «مراقب فلسطين» في الأمم المتحدة، بدلاً من اسم «مراقب منظمة التحرير» والحصول على العضوية في وكالات دولية مثل منظمة الصحة الدولية. سارعت الإدارة في حينه وبتوصية من الوزير جيمس باكر، إلى التهديد بورقة متوجباتها المالية تجاه المنظمة الدولية، ونجحت في نسف المحاولة الفلسطينية. بمقاطعتها لهذا المؤتمر، تبدو واشنطن وكأنها تقول مرة أخرى؛ بأن مثل هذا التجمع محكوم بطبيعة غرضه، بأن يضع الإصبع على الجرح، الذي لا تطيق ذكره. لكن ذلك لن يغير في الأمر العنصري الإسرائيلي بشيء.