كثيرا ما يستيقظ الطفل مؤيد علي ليلاً وهو يصرخ من تبعات العيش أسابيع من القصف وإطلاق النيران التي حولت منزل عائلته إلى أنقاض في مدينة مصراتة حيث تكسو المباني في أنحاء المدينة آثار الرصاص والصواريخ بعد حصار شهد أعنف المعارك بين كتائب العقيد الليبي ومقاتلي المعارضة الذين انتفضوا ضده في فبراير الماضي. وأكبر الخسائر الفعلية التي ألحقتها المعارك هو الآثار التي خلفتها على الحالة العقلية للاطفال والنساء والرجال الذين تحملوا أسابيع من التفجيرات التي كانت تهز الأرض ونيران القناصة المرعبة.
في غضون ذلك أبدت مريم عمر (37 عاما) والدة مؤيد التي تعيش الآن مع أربع أسر أخرى في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة- أسفها من المشكلات النفسية التي تقول إنها تلمحها الآن في أطفالها،فإلى جانب الصعوبات التي يقابلها مؤيد أثناء النوم تقول إنهم يعانون من نوبات الخوف بمجرد سماع صوت مرتفع بل إن الأكثر إزعاجاً هو أنهم يلعبون لعبة الحرب طول اليوم. والمدارس في مصراتة مغلقة منذ شهور.
وأضافت «انظروا لهم الآن.. إنهم جميعا يلعبون بمسدسات لعبة. لم يكونوا كذلك. هناك فريقان في الخارج فريق الثوار وجنود القذافي»،وتابعت «قبل ذلك كان لعبهم خفيفا... الآن تسيطر عليهم عقلية الحرب»
في الأثناء يبرز الواقع الحالي المتمثل في سيطرة لعبة الحرب من خلال استخدام الأظرف الخالية للرصاصات وصفائح الذخيرة تتناثر بقايا المعارك في أغلب أجزاء مصراتة بعد أن تمكنت المعارضة المدعومة بغارات جوية يشنها حلف شمال الأطلسي من إخراج القوات الموالية للقذافي في وقت سابق من الشهر الجاري.
وفي لعبة الحرب يمسك فتى ببندقية صنعها من أحد ركائز مائدة وأظرف أعيرة نارية فارغة في حين أن فتى آخر صنع قاذفة صواريخ من عصا مكنسة بينما يقوم مقعد منقلب مربوط في أحد قوائمه حزام يحتوي على أظرف فارغة للرصاص بدور مدفع رشاش ثقيل. يمسك فتى الحزام ويقوم بحركات وكأنه يطلق الرصاص مقلدا صوت الطلقات النارية.
واستطردت مريم بقوله إن «مجموعة من الفتية تظاهروا بأسر فتيات تحت تهديد السلاح وحبسوهن في غرفة معربة عن خوفها على مستقبلهم عندما أراهم يلعبون بهذه الطريقة.
وأضافت «اشتريت لهم مكعبات وهم يصنعون بنادق. اشتريت لهم كتبا للرسم وهم يرسمون بنادق. لقد يئست. لقد نضجوا قبل الأوان». من جهتها ترى أمل صالح وهي أخصائية نفسية في مصراتة إن «دلائل الألعاب التي يمارسها الأطفال تشير إلى ما هو أخطر من مجرد ألعاب حرب يمارسونها. وقالت «عندما كنا أطفالا كنا نتابع مثل تلك الأحداث على شاشات التلفزيون.. لكننا لم نعشها أبداً. كانت الأحداث إما بعيدة أو خيالية وعندما تكون الأحداث مجاورة لنا فإنها تؤثر عليهم بطريقة أكثر عمقا وأصبحت لهم ميول حربية بدرجة أكبر» وتابعت «سيؤثر هذا عليهم بالسلب.
سيشبون على كراهية الآخرين». إلى ذلك وفي عيادة الأخصائية النفسية تجلس عائشة سليمان (26 عاما) على مقعد متحرك وكانت تفرك يديها باستمرار وهي تتحدث. تتلعثم وتتحدث بسرعة لدرجة يصعب معها فهم ما تقول. قالت «كنت حبلى في تسعة أشهر في ذلك الوقت وكنت أجلس في غرفة صغيرة أسمع القنابل ليلا ونهارا وهي تسقط في كل مكان. لمدة أربعة أيام لم تتوقف للحظة. كنت أظن أنني سأفقد جنيني».
