يمثل انتقال التعبير عن الآراء في الكويت إلى الشارع، رغم ما تتمتع به من برلمان منتخب هو الأول على المستوى العربي في الصلاحيات التي يمتلكها، تحولا له دلالاته وتبعاته.. فالمعارضة البرلمانية التي عجزت عن الإطاحة برئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمّد مرات عدة من خلال الاستجوابات، أخذت تتجه نحو الشارع الذي يمثل القاعدة الأساسية للنواب، لتحقيق مكسبين رئيسيين يكون الأول في إضافة رصيد شعبي من خلال الاحتكاك المباشر مع الجموع الشبابية المتحمسة التي تمثل أكثر من 70 في المئة من أعداد الناخبين، فيما يمثل إبعاد الشيخ ناصر المحمّد عن رئاسة الحكومة ونسف شعبيته الهدف الثاني الذي تسعى اليه المعارضة.

ولعل حالة الغضب الشعبي من تعطل عجلة التنمية والفساد المستشري في مؤسسات الدولة ومحاباة بعض المتنفذين، إضافة الى اشتعال فتن طائفية وفئوية، أدت بالمتظاهرين الى المطالبة باقتلاع رأس السلطة التنفيذية وتحميله مسؤولية ما يحدث. وبدأت تعّبر عن رأيها من خلال الشعارات التي رفعها المتظاهرون الذين يدعهم نواب المعارضة، عبر شعارات مثل: «الشعب يريد اسقاط الرئيس» و«لاظلم لاجور.. عاش عاش الدستور» و«لا تأجيل لا تعطيل الشعب يريد الاصلاح»، كما ان إعلان المتظاهرين استمرار «جمعة الغضب» رغم التحذير الحكومي من التجمعات، تعبر عن حالة الامتعاض السائدة في البلد.

ورغم ما شهدته الكويت من أحداث ومن ارتفاع لسقف المطالبات إلا ان تجمع المتظاهرين في ساحة التحرير كحل وسط بين ساحة الصفاة التي منعت وزارة الداخلية التجمع فيها، وساحة الارادة التي حددتها للتعبير عن الآراء فقط، حمل رسالة تشير الى ان المتظاهرين لم يسيروا وفق إملاءات «الداخلية» ولم يكسروا قرارها، وذهبوا الى حيث يريدون وقالوا كلمتهم وهتفوا ضد رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد. وهذا ما أكده النائب مسلم البراك الذي يمثل الجبهة المضادة لرئيس الوزراء حيث قال «إننا لن ننجرف للاستفزازات التي قامت بها وزارة الداخلية، إذ نعتبر أنفسنا في كل موقع بساحة الصفاة التي تبعد عنا أمتارا عدة، وسنحافظ على أمن بلدنا لأننا أحرص منكم على أمنه، وباسم كل أبناء الشعب الكويتي ندعو للأمير بموفور الصحة والعافية»، وأضاف أن «ناصر المحمد يجب أن يرحل، لأنه أهان الدستور ودمر البلد، ولوث الحياة السياسية».

غير ان الجبهة المقابلة من النواب الموالين للحكومة، مثلتها النائب رولا دشتي حيث قالت إنه «بالرغم من إيماننا بالممارسة الديمقراطية وحرية التعبير إلا أننا لا نقبل بأن يكون استخدام هذا الحق مدخل لكسر هيبة الدولة والتطاول على القانون، مشددة على الشباب المتجمهر عدم الانزلاق وراء التصادم فالتجمعات وجدت للتعبير عن الرأي وأحترام الرأي الاخر وفق الاطر الدستورية وليست اماكن للتطاول وتصفية الحسابات باسم حرية الكلمة».

مشاجرة

الرأيان السابقان مثالا للحالة التي يعيشها البرلمان والشارع الكويتي من انقسام كبير، اضافة الى ان ما شهدته قاعة البرلمان من مشاجرة بين النواب قبل أسبوعين، ما هي إلا دليل واضح للحالة التي تعيشها الكويت من انقسامات.

ورغم رعاية المصالحة من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد بين النواب ومحاصرة تداعياتها على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، إلا ان المصالحة لم تستمر لساعات حتى وضع استجواب السياسة الخارجية لرئيس الوزراء الثاني، لغما جديدا في العلاقة بين النواب وأعاد فتح باب الجدل الطائفي على مصراعيه، في حالة غير مسبوقة من الخروج عن الانضباط واللوائح، نتيجة عدم الحنكة في إدارة اللعبة السياسية من جانب بعض النواب والكتل البرلمانية، التي لا تذهب بأي اتجاه إلا وأعينها على موعد الانتخابات المقررة بعد سنتين من الآن، فهل ما تقوم به هو فعلا يعكس فكر الشارع الكويتي؟.