يشهد اليمن حاليا صراعين متوازيين: ثورة شعبية ألهمها ربيع الثورات الذي حل على الوطن العربي من جهة، وصراع ضمن النخبة الحاكمة والمقربين منها من الجهة الأخرى.. ما يخلق معطيات جديدة على الأرض وعلى واقع «تقاسم السلطة» المعمول به منذ عقود بين مؤسسة القبيلة والمؤسسة العسكرية السياسية. فالمنافسة بين الفئات النخبوية المختلفة ما برح يعتمل منذ عدة سنوات، وازداد شدة كلما عمد الرئيس علي عبدالله صالح إلى تركيز السلطات بأيدي أفراد أسرته وأقربائه. وتعمل كل فئة من هذه الفئات النخبوية على استمالة وكلاء لها من كل الطيف السياسي اليمني ومن الوزارات والدوائر الحكومية والجيش إضافة إلى شيوخ القبائل ووجهائها. وأدت هذه المنافسة في آخر الأمر إلى اندلاع القتال يوم الاثنين الماضي بين القوات الموالية للرئيس صالح ومؤيدي آل الأحمر الذين يتولون مناصب سياسية مهمة ومواقع اجتماعية رفيعة.

فصادق الأحمر هو كبير شيوخ أقوى تجمع قبلي في اليمن: تجمع قبائل حاشد. أما شقيقه حِمْيَر، فكان نائبا لرئيس البرلمان اليمني قبل استقالته في مارس الماضي وانضمامه إلى صفوف الثوار. وهناك شقيق ثالث، حسين، الذي كان له دور بارز في تنظيم مقاتلي القبائل الذين شاركوا في قتال الحوثيين في محافظة صعده المتاخمة للحدود مع المملكة العربية السعودية. أما الشقيق الرابع، حميد، فهو من كبار سياسيي المعارضة ورجال الاعمال في اليمن إذ يمتلك شبكة سبأفون للهواتف الجوالة ومحطة «سهيل» التلفزيونية الفضائية.

وكان حميد التقى منذ بضع سنوات بمسؤول اميركي في صنعاء وكشف له - حسب رواية صحيفة «واشنطن بوست» حينها عن خطة سرية للاطاحة بالرئيس صالح عن طريق التظاهرات الشعبية وما وصفها «بالفوضى المسيطر عليها». وعندما أطاح الثوار التونسيون بالرئيس زين العابدين بن علي شعر حميد بدنو فرصته وقرر ان يتحرك.

كانت الموجة الأولى من التظاهرات والاحتجاجات التي شهدها اليمن منظمة من قبل المعارضة المعروفة، وتكفّلت شبكة سبأفون الخليوية بإرسال الرسائل النصية التي كان لها الفضل في تنظيم التجمعات والاحتجاجات. كما يعتقد على نطاق واسع أن حميد وغيره من رجال الأعمال اليمنيين يدعمون المعتصمين في مخيمات المعارضة ماليا.

ولكن الزخم الذي اكتسبته الثورة سرعان ما أخرجها من نطاق سيطرة المعارضة التقليدية، حيث بدأ الناشطون الشباب المستقلون بالمطالبة بإجراء تغييرات جذرية في بنية نظام الحكم تمنح المزيد من السلطات إلى مؤسسات الدولة وتجعل من الممكن محاسبة النخب اليمنية.

وتزامن الصراع الحالي داخل النخبة الحاكمة مع انتقال السلطة داخل آل الأحمر من الشيخ الراحل عبدالله الأحمر (الذي توفي في العام 2007) إلى أولاده. وفي ذات الوقت، يناور اكبر أبناء الرئيس صالح، احمد، وأولاد أخيه طارق ويحيى وعمار - الذين يشغلون مناصب قيادية في أجهزة الأمن والمخابرات التي تمولها الحكومات الغربية - لخلافة الرئيس. من نتائج هذه المناورات والصراعات انه أصبح من الضروري إعادة النظر في اتفاق تقاسم السلطة الذي ابرمه الشيخ عبدالله الأحمر مع الرئيس صالح في الثمانينيات والتسعينيات.

 

* خبير في مركز تشاتام هاوس للشؤون الدولية، مقره لندن