اعتبر المرشح الرئاسي الأسبق والكاتب والإعلامي المعروف باتريك بيوكانن ذات مره: إن «الكونغرس أرض محتلة من قبل إسرائيل».

في الأيام الأخيرة، بدا وكأن البيت الأبيض واقع هو الآخر وبسبب رخاوته، تحت احتلالها. وبذلك اكتمل المشهد، بحيث صارت واشنطن كلها تبدو تحت قبضة نتانياهو، الموجود الآن في العاصمة الأميركية. يتصرف وكأنه هو ربّ المنزل واوباما الضيف الزائر.

بيوكانن قال كلمته الشهيرة كأميركي قحّ، بعد أن ضاق ذرعاً بانصياع العديد من النواب والشيوخ لمشيئة الدولة العبرية واللوبي الذي يعمل لحسابها في واشنطن.

هناك اليوم في واشنطن من يتأفف مثله، من ما يبدو وكأنه انصياع من جانب البيت الأبيض لمشيئة رئيس الليكود. كما هناك انزعاج لدى هذه الأوساط من وقاحة وفجور نتانياهو. لكن هذه الأصوات حجبتها أو أخرستها، الهجمة الإعلامية السياسية التي شنها رئيس الليكود مع جوقة إسرائيل في واشنطن، على الرئيس والإدارة، بزعم أن البيت الأبيض يراعي المصلحة الفلسطينية على حساب إسرائيل وسلامتها!!

ذنب أوباما، حسب زعمهم، أنه ذكر في خطابه حدود 1967، كأساس لمحيط الدولة الفلسطينية. مع أنه ربطها بالتعديل من خلال تبادل الأراضي. كما ترك القدس مع اللاجئين جانباً. ثم ان طرح هذه المسألة ليس بالأمر الجديد. جرى التفاهم بشأنها منذ أيام كلينتون ثم بوش. كما سبق وورد ذكرها في التفاهمات الخطية وآخرها العام الماضي. ونتانياهو يعرف كل ذلك. لكنه افتعل التأزيم، ليس لأن ما قاله الرئيس يقود إلى «سلام مبني على وهم»، بل لأن أوباما أدخل موضوع الحدود على النصّ في الدقائق الأخيرة. ويذكر أن الرئيس كان قد تأخر حوالي ٢٥ دقيقة، عن الموعد المقرر لإلقاء خطابه، دار حولها جدل بين كبار مساعديه بخصوص الزيادة.

ونقلت تقارير عن مصادر عليمة بأن الوزيرة كلينتون اتصلت بنتانياهو ووضعته في صورة النص الجديد، فكان ردّه غاضباً، لأنه رأى في ذلك بداية تدخل أميركي في تحديد نسبة التبادل في الأراضي، بحيث تكون أقرب إلى ما يطرحه الجانب الفلسطيني، أي 2 في المئة حسبما ذكرت مصادر مقربة من نتانياهو في واشنطن. فهو كان على علم بالصيغة الأصلية التي وضعتها مجموعة من الذين يثق بهم نتانياهو، منهم دينس روس، مستشار الرئيس لشؤون الشرق الأوسط؛ والذي استعان بمساهمة أقلام من «مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، التي تعتبر أحد أذرع اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.

ما قاله أوباما في خطابه وبالذات موضوع الحدود، «يستحق الشكر من إسرائيل»، على حدّ تعبير جريدة «هآرتس» الإسرائيلية.

والحملة على الرئيس، لا تبررها مزاعم نتانياهو وجيشه في وسائل الإعلام والكونغرس. وهي لم تنته بعد. لها تتمة في خطاب نتانياهو غداً أمام المؤتمر السنوي الذي يعقده اللوبي الإسرائيلي في واشنطن. كما هناك مشروع قرار يعتزم الجمهوريون طرحه على التصويت في اليومين المقبلين، «بإدانة» موقف أوباما.

العلّة ليست في فجاجة نتانياهو، الذي يتحدّى الرئيس ويتدخل في صياغة خطابه. العلة في المقاربة المعطوبة التي يعتمدها أوباما والقائمة على مزيج من الاسترضاء وأنصاف المواقف ثم التراجع عنها، في التعامل مع إسرائيل.

لا يتوقع أحد أن تتخلى واشنطن عن احتضانها لإسرائيل. لكن حتى ضمن هذه العلاقة سبق لرؤساء كارتر وريغان أن لجموا أحياناً الانفلات الإسرائيلي. كل المطلوب من أوباما طرح خريطة على الطاولة والإصرار على ترجمتها. ولهذا التوجه تأييد متزايد في أميركا. لكنه بعد أخذ ورد وشدّ اكتفى بإشارة خجولة عن الحدود، كلفته صفعة أخرى هو وعملية السلام. إذا كان بقي منها شيء.