أكدت دراسة حديثة لعينة كبيرة من قادة الرأي في خمس دول غربية كبرى بمناسبة اندلاع الثورات العربية أنهم يرجحون أن تسهم التغيرات التي طرأت على العالم العربي في تسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في هذه البلدان، وتحسين وضع المرأة العربية في المجتمع نتيجة هذه التحركات، كما ستظهر الحكومات التي ستنشأ في العالم العربي بعد هذه التغييرات مزيداً من الاحترام لسيادة القانون.

وسجلت الدراسة، التي قدّمت إلى منتدى الإعلام العربي في دورته العاشرة، وحصلت «البيان» على نسخة منها، توجهاً نحو الديمقراطية في دول المنطقة حيث أظهرت نسبة 91 في المئة من قادة الرأي أنها متفائلة بمستقبل العالم العربي، بينما تعتقد أغلبية كبرى (نحو 71٪) بأن الحكومات العربية ستتحول إلى حكومات أكثر ديمقراطية نتيجة لهذه الأحداث. ورأي المشاركون أن هناك توجهاً نحو الديمقراطية أكثر من أولئك الذين يعتمدون حصراً على وسائل الإعلام الغربية. ولفتوا إلى أن الثورات صاحبتها تطلعات سياسية عديدة.

وكشفت الدراسة الميدانية عن اقتناع نسبة كبيرة من قادة الرأي الغربيين، وبدرجات متفاوتة، بأن الثورات والاحتجاجات في العالم العربي أظهرت أن لديها نفس التطلعات الديمقراطية كما الشعوب الأخرى، وأن الدافع وراء مقاومة الحكومات العربية الاستبدادية تمثل في التطلع إلى الديمقراطية وليس التأثير الديني، وان الاضطرابات في العالم العربي أظهرت أن العرب مستعدون للالتزام بمبدأ المواطنة والمشاركة في الحكم، وان العرب أثبتوا أنهم قادرون على بناء مجتمع مدني لا يسيطر عليه المتطرفون الدينيون، وان الثورات ضد الحكومات الاستبدادية ستسهم في جعل المجتمعات العربية أقل عنفاً وأكثر تسامحاً.. وبخاصة نحو تحسين وضع المرأة العربية ومزيد من الاحترام لسيادة القانون.

ومع ذلك، لم يكن هناك اتفاق واسع بشأن رأي واحد يؤيد إجراء تغييرات أساسية في المجتمع.

وأبرزت الدراسة، التي أجرتها شركة «ابكو» العالمية لاستشارات الاتصالات على عينة عشوائية ضمت 343 من قادة الرأي في الولايات المتحدة وأربع دول في أوروبا، وشملت شخصيات مؤثرة من المسؤولين الحكوميين الحاليين أو السابقين، والدبلوماسيين وقادة المنظمات غير الحكومية، وممثلي وسائل الإعلام ورجال القانون، والمفكرين وجماعات الضغط، مستويات اهتمام مختلفة في العينة، حيث يتابع قادة الرأي العام الغربي التطورات الجارية في ليبيا ومصر بشكل وثيق، وكان الاهتمام أقل بالأحداث الجارية في سوريا، رغم أعمال العنف الأخيرة، كذلك لا تحظى تونس واليمن والبحرين باهتمام واسع.

 

تحول جذري

لا ينظر إلى هذه الأحداث على أنها مؤقتة أو مرتبطة بظروف كل بلد على حدة، وإنما على أنها تغيير جذري في السياسة والمجتمعات العربية، وصف 99٪ ممن استطلعت آراؤهم هذه الأحداث بأنها مهمة جدا، ومهمة، علاوة على ذلك، ينظر إلى التغيير من منظور عربي شامل، أي أنه حركة تشمل جميع أنحاء العالم العربي، ورأى 88 في المئة منهم ان الثورات تمثل حركة شاملة في جميع أنحاء العالم العربي، و12% أنها ترتبط بكل بلد على حدة.

كما رأى 69% أن الدول العربية ستصبح أكثر ديمقراطية، وكان لـ 76% آراء أكثر ايجابية حول المجتمعات العربية. وينظر قادة الرأي الغربيون إلى الدولة المركزية، مصر، على أنها تشهد تحولات جذرية نتيجة لهذه الأحداث، إلا أن هناك تشاؤما مفاجئا بشأن اجتذاب الاستثمار الأجنبي خلال الفترة الحالية .

 

تفاؤل مشروع

وبات قادة الرأي العام في الغرب ينظرون إلى العرب بمنظور أكثر إيجابية، وهم يعزون التحركات الأخيرة إلى طموحات مشتركة لدى جميع شعوب العالم، يرى معظم قادة الرأي في الغرب، أن العرب حققوا خطوة حاسمة نحو المستقبل. وعبرت أغلبية ضئيلة (نحو 54٪) عن تفاؤلها بشأن المستقبل في ضوء الأحداث الأخيرة، بينما كان 46 في المئة إما متشائمون، أو ليس لهم رأي حول كيفية تأثير هذه الأحداث في المستقبل. الأفراد الذين عبروا عن رأيهم في المجتمعات العربية كانوا أكثر تفاؤلاً، الأهم من ذلك، أن الأفراد الذين يحصلون على المعلومات من وسائل الإعلام العربية كانوا أكثر تفاؤلا.

 

شكوك حول المستقبل

على جانب آخر، كانت أغلبية ضئيلة (نحو 52٪) من قادة الرأي الأكثر تفاؤلاً، ورأوا أيضاً أن الأحداث ستؤدي إلى مزيد من الديمقراطية، في حين كان 16٪ غير متفائلين. وظهرت انقسامات حادة في الرأي حول التوجه الذي ستتخذه مصر، ورأى 40٪ فقط ممن استطلعت آراؤهم أنه لن يحدث تغيير في سياسات مصر نحو الغرب، والذين يرجحون حدوث تغيير يرون أنه سيتخذ مساراً أقل ودية، وتوقع 42٪ من العينة تأثيراً سلبياً في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

وحتى بين المتفائلين، يعتقد 35٪ فقط بأن مصر ستكون أكثر قرباً من الغرب، بالمثل رأى 34٪ فقط ممن يتوقعون مصر أكثر ديمقراطية أن البلاد ستكون أكثر قرباً من الغرب.

 

نجاح للإعلام العربي

وحققت وسائل الإعلام العربية نجاحات واضحة مع قادة الرأي العام الغربي، بالرغم من ان أقلية بنسبة 47٪ استقوا معلوماتهم من وسائل الإعلام العربية حول الأحداث السياسية الأخيرة. ولكن قادة الرأي الذين يحصلون على الأخبار من خلال وسائل الإعلام العربية أبدوا ميلاً نحو التفاؤل بشأن نتائج التحركات في العالم العربي. ويعتقد قادة الرأي عموماً بأن جميع وسائل الإعلام صورت المواطنين العرب بشكل أكثر إيجابية خلال هذه الأحداث السياسية، علاوة على ذلك، يتوقع 62٪ من قادة الرأي أن تصبح وسائل الإعلام العربية "أكثر انفتاحا وحرية" نتيجة لهذه الأحداث.

 

نظرة جديدة للعرب

وتغيرت آراء غالبية كبيرة من قادة الرأي حول المجتمعات العربية والمواطنين نتيجة لهذه الأحداث، جاءت التغيرات في وجهات النظر متشابهة، بغض النظر عن الجهة التي يتلقون منها المعلومات، كما تغيرت وجهات النظر حول المجتمعات العربية، وأصبح لدى الغالبية العظمى آراء أكثر إيجابية حول العرب في ضوء هذه الأحداث، وأصبح كبار المسؤولين هم الأكثر إيجابية، وحدث التغيير بغض النظر عن مدى اطلاعهم على وسائل الإعلام العربية. ولا تزال نتائج الثورات موضع شك لدى قادة الرأي الغربيين. ويعود التشاؤم للظهور مجدداً عندما ينتقل النقاش إلى ما وراء التطلعات البسيطة. ويتمثل السؤال في الجهة التي ستتولى السلطة، وما إذا كانت تنسجم مع تطلعات الشعب.