تركت الأجواء التي أحيط بها خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما طوال الأسابيع الماضية الانطباع لدى العديد من المراقبين في واشنطن بأن سيّد البيت الأبيض قد يكون في جعبته، هذه المرة، شيء ما بخصوص الشرق الأوسط. مفاجأة، مبادرة، تحوّل نوعي في موقف أو تجاه قضية من قضايا المنطقة. وبالتحديد إزاء عملية السلام الواقعة في حالة غيبوبة.
إن تأكيد المسؤولين باستمرار على تصنيف كلمته في خانة «الخطاب الرئيسي»، عزّز مثل هذه التوقعات والتكهنات. وثمة من لم يستبعد، حتى اللحظة الأخيرة، أن يرمي الرئيس بقنبلة ولو صغيرة تغيّر المشهد أو تفرض قواعد جديدة.
فالاعتقاد كان أن عملية قتل أسامة بن لادن وفّرت له من الزخم ما يسمح له باسترجاع زمام المبادرة. كما أن التطورات المتسارعة في المنطقة باتت تشكل حالة ضاغطة من شأنها أن ترفد تحركه لو عزم التحرك.
لكن مرة أخرى، خابت مثل هذه الحسابات والتوقعات. فالخطاب الذي ألقاه الرئيس أوباما الخميس الماضي، بعد طول انتظار وحبس أنفاس؛ جاء أشبه بفقاعة الصابون. لامع من الخارج، أجوف من الداخل.
عموماً، غرق أوباما في السرد والشرح، المعروفين، وأسهب في التذكير بالوقائع والخلفيات، وكذلك في الإشادة بالانتفاضات والكلام عن فضائل السلام وضرورات الإصلاح، في المنطقة. كما غلب عليه التكرار وغابت عنه السياسات المطلوبة.
ما حمله الخطاب كان سبق وقاله الرئيس أو المسؤولون، في أكثر من مناسبة، ما عدا بعض التفاصيل مثل التسهيلات المالية لمصر، أو المواقف مثل العقوبات ضدّ شخصيات سوريا، التي كان قد كشف عنها قبل بيوم.
وما استوقف بخصوص دمشق، كانت مطالبته للرئيس السوري بأن يختار بين اثنين «إما أن يقود وإما أن يزيح من الطريق». ما يعني «إما الانقلاب على الجناح الأمني في النظام وإما التنحي»، بحسب ما قال مصدر دبلوماسي لـ«البيان».
أما موضوع المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين وحل الدولتين، فقد كان الأقل حصة والأكثر ضبابية. لم يكن من غير دلالة أنه جاء في الشق الأخير من الخطاب. ويدلّ ذلك على موقعه في لائحة أولويات الإدارة.
ثم ان الرئيس اعتمد المقاربة الإسرائيلية بكليتها وحتى بمفرداتها، باستثناء إشارته إلى حدود 1967، مع التعديل؛ كإطار للدولة الفلسطينية الموعودة. وحتى هذه الإشارة، لا جديد فيها سوى أنه قالها علناً لأول مرة. ما عدا ذلك، بقي ضمن حدود الخطاب الإسرائيلي وتحريفاته ومزاعمه المعروفة. المستوطنات أتى على ذكرها مرة واحدة بصورة عابرة ومن دون موقف تجاهها. التوجه إلى الأمم المتحدة حذر منه «لأنه لن يقيم الدولة الفلسطينية»..
والمصالحة الفلسطينية اعتبرها تخريبا على السلام وبرّرت لإسرائيل «طرح أسئلة مشروعة». كما دعا الجانب الفلسطيني، ضمناً إلى التفاوض أولاً على الحدود وترك القدس واللاجئين لوقت لاحق. حيلة نسجها كيسنجر من زمان وتمسكت بها إسرائيل ولا تزال، لخلق أمر واقع يطيح بالقدس كعاصمة للدولة الفلسطينية.
في خطابه الباهت، الذي كان لا لزوم له، نسخ الرئيس طبعة الموقف الأميركي الموروث؛ بكل مغالطاته وانحيازه الفاقع. كان أمامه خياران: إما الخروج عنه بطرح صيغة مختلفة وإما البقاء أسيراً له وعلكه من جديد. الثاني صار له دعم وازن، في أوساط جهات وقوى أميركية وازنة ومنها داخل الإدارة مثل الوزيرة كلينتون، على ما يتردد. والرئيس مال لفترة نحوه.
لكن الرئيس عمل برأي مفاتيح إسرائيل في البيت الأبيض مثل بايدن ودانس روس. فجاء «الخطاب الرئيسي» اسماً لغير مسمّى.