المشهد السياسي المصري حاليا أصبح ملتبسًا على كثير من المراقبين، فبالرغم من نجاح ثورة 25 يناير في الإطاحة بنظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، بل وإلقاء القبض على رموز هذا النظام ومحاكمتهم بمن فيهم الرئيس نفسه وأفراد أسرته، إلا أن ما تشهده مصر حاليا من ارتباك سياسي وفوضى أمنية واحتقان طائفي، دفع كثيرًا من المراقبين إلى أن يحذر من تسرب إحساس لدى كثير من المواطنين المصريين بأن الحياة في ظل نظام فاسد مثل نظام مبارك أفضل من الحياة وسط فوضى أمنية وفتنة طائفية وشلل شبه تام لعجلة الاستثمار بما ينعكس على أوضاع الاقتصاد المصري.
فإلى أين تسير مصر بعد أن مضى على ثورتها أكثر من 100 يوم؟ وهل الأيام المقبلة ستحمل أملاً في الخروج من النفق الذي وجدت الثورة فيه نفسها؟ أم أن الأزمات متعددة الأوجه التي تمر بها مصر سوف تكون مرشحة للتعقيد بصورة أكثر خطورة خلال الفترة القادمة؟ وكيف يمكن لها أن تعالج ما تتعرض له حاليا؟ وما هي أعظم عوامل الخطر التي تهدد مصر وثورتها؟ هذه الأسئلة وغيرها أجبنا عنها من خلال استطلاع آراء الخبراء والمتخصصين.
ارتباك سياسي
الباحث والناشط السياسي د. عمار علي حسن، يقول إن مصر «تمر الآن بمرحلة ارتباك سياسي، وهي مرحلة تعقب أي ثورة شعبية»، مؤكدا أنه على مدار التاريخ الإنساني لم يحدث أن استقر مجتمع بعد أيام من قيام أي ثورة، مشددا على أن ما تشهده مصر حالياً هو نتاج إرث خلقه النظام السابق من احتقان طائفي وفقر وتهميش وغياب لدور المؤسسات وأحزاب سياسية ضعيفة كانت في حقيقة الأمر ملحقة بالنظام، بالإضافة إلى مجتمع مدني مهمش واهتزاز للقيم المصرية الأصيلة وتطرف ديني.
ورغم ذلك، فإنه يشير إلى ما سماها بـ«بوادر إيجابية» بدأت تطفو على السطح، ومن أهم هذه البوادر بحسب عمار، استعادة مصر لدورها الخارجي، وهو ما ظهر من خلال المصالحة الفلسطينية بين حركتي «فتح» و«حماس»، وكذلك فتح صفحة جديدة من العلاقات بين القاهرة والعواصم الأفريقية سواء من خلال العلاقات الرسمية وزيارات المسؤولين المصريين، أو من خلال ما يوصف بـ«الدبلوماسية الشعبية» والزيارات التي قام بها الوفد الشعبي المصري لدول حوض النيل.
تحول ديمقراطي
بدوره، يؤكد الخبير السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية د. عمرو الشوبكي، أن الأوضاع التي تمر بها مصر بعد الثورة تعد أفضل بكثير من تجارب بعض دول العالم التي قامت بها ثورات مثل دول أميركا اللاتينية، مشيرا إلى أن هذه الدول مرت بتجارب أقسى من حيث الانفلات الأمني وانتشار حالات الفوضى، معتبرا أن الظروف التي تسود المشهد السياسي المصري الآن تعد أمورًا متوقعة في جميع تجارب التحول الديمقراطي.
ويوضح الشوبكي أن أهم التحديات أمام مصر الثورة هي القدرة على إدارة المشاركة السياسية للقوى المختلفة في المشهد السياسي المصري، وإثبات حق كل هذه القوى في التعبير عن آرائها ومطالبها في إطار الالتزام بالقانون والدستور وسيادة الدولة، وأن يأتي ذلك بالتوازي مع تدعيم مؤسسات الدولة وإعادة الاعتبار للأجهزة الأمنية وإصلاح القضاء بما يضمن نجاح التجربة الديمقراطية بمصر.
فوضى وعشوائية
من جهته، يرى الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية من جانبه د.عمرو هاشم ربيع أن مصر تشهد الآن ما وصفه بـ«حالة من الفوضى والعشوائية»، حيث أثبتت التجربة العملية أن الحالة المصرية لا تستطيع العيش دون سلطة ولو لساعات قليلة، مشيرا إلى أن غياب جهاز الشرطة أدى إلى حالة من الانفلات الأمني، كما أن أحداث العنف الطائفي الأخيرة كشفت عن حالة من عدم التسامح الديني بين المسلمين والأقباط في المجتمع.
ويضيف ربيع أن مصر «تشهد أيضا حالة من الفوضى الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة بحالة الفوضى الأمنية؛ مما يهدد المجتمع بحالة «ردة» مع الاعتقاد الذي تسرب لكثير من المصريين بأن الحياة في ظل نظام فاسد أفضل بكثير من الحياة في ظل حالة الفوضى التي تعيشها مصر حاليا»، بحسب قوله.
