بين حقّ العودة الذي كرّسه مجلس الأمن في القرار 194، في 11 ديسمبر 1948، والذي بقي حبراً على ورق طوال ستة عقود ونيف، و15 مايو 2011، امتداد ليس يُلغى.. فأول من أمس، وفي الذكرى الـ63 للنكبة، استعاد الفلسطيني جبهته وشرّعها للوطن، وصار فلسطينياً مرة أخرى، فلسطينياً بالقضية والقبضة والتحدّي: داس الأسلاك في الجولان، تخطّى الحواجز في قلنديا، رمى بساعده الحجارة من خلف الحصار في جنوب لبنان.. فيما بدا المحتل مرتبكاً هشاً.

وكانت حصيلة ذكرى النكبة: 11 شهيداً و122 جريحاً في مارون الراس اللبنانية، وأربعة شهداء و90 جريحاً في مجدل شمس والجولان، شهيد و150 جريحاً في غزّة، وعشرات الجرحى في قلنديا في الضفة. أما إسرائيل، فبدت كمن أسقط في يده، فظهرت هشّة مخترقة في مجدل شمس ومربكة في مارون الراس، وقلقة في قلنديا وبيت حانون.

وأياً تكن الأهداف، فإن ثورة الحدود أعادت تذكير العرب بأن لهم «فلسطين» ضائعة، وبأن الأمل ما زال معقوداً على شباب عربي يؤمن بأن «البيت لنا والقدس لنا». هم قالوا: «للقدس سلام آتٍ»، بعضهم فارق الحياة عند أطرافها، وآخر ما رأته عيونهم، قرى محتلة ومستوطنات تنام على أراضٍ لا تملك الحق فيها.

فهل سيغيّر ما جرى، أول من أمس، ما تكرّس من مجريات السياسة الدولية؟ هل سنسمع صوتاً دولياً يدعو لاحترام قرار الشعب الفلسطيني؟ وهل سنرصد صوتاً دولياً يدين الاستخدام المفرط للقوة بحق مدنيين عزّل، أم أن الألسن ستُقتلع عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، والتي قالت على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو إن الأحداث بيّنت أن الصراع ليس على حدود 67 بل على وجود إسرائيل؟

إن قيمة ما حدث، حسب المحلّلين، لا توزَن بمعايير النظام الدولي القائم، ولا بمقاييس النظام الرسمي العربي، ولا بأذكار أهل التراجع الكمّي والنوعي، إذ يرون أن فلسطين عادت إلى أهلها بطريقة لا التباس فيها، وهذا أمل وليس محالاً، وخصوصاً ففي ظل الثورات العربية وتنامي الإحساس بعودة الأمل بإمكانية التغيير واسترداد الحقوق. وحسب قراءاتهم، فإن الدم المراق على حدود فلسطين أعاد الاعتبار إلى البديهيات، وأولاها وأخطرها: لا عودة ولا حقوق بشعب منقسم على نفسه، وسلطة أو سلطات تتوزّعها الأنظمة فتستخدمها ولا تخدم قضيتها، بل هي تنتهي إلى خدمة العدو.

فهل دخلت فلسطين عهد الانتفاضة الثالثة؟ وهل باتت المنطقة أمام واقع جديد يعيد تصويب بوصلة الصراع وتوجيه مسار الأحداث؟

إن ما جرى في مناسبة إحياء النكبة تجاوز عادة الوقوف على أطلال الذكرى وأسّس لمرحلة جديدة، عنوانها أن فلسطين كانت ولاتزال قضية الأمة.. والأهم أن الفلسطينيين اكتشفوا واحداً من أبرز عناصر قوتهم، وكشفت إسرائيل مواطن هزالتها، ووقف العالم على تطوّر يلخّص المحلّلون عناصره بالتالي:

ــ إن القضية الفلسطينية، وحق العودة على رأسها، ما زالت في مقدّمة اهتمامات العرب، وموجة الثورات العفوية أو المتنقلة لا تعدو كونها تحوّلات أو محاولات داخلية.

ــ إن تزامن التحرّكات بين الداخل والشتات أثبتت نجاعة وفعالية، وأن شعب فلسطين مستعدّ لتحريرها متى توافرت أرضية وساحات لهذا التحرّك وتأمّنت مظلّة الدعم العربي.

ــ إن أسلوب التحرير، بالزحف الشعبي المستند إلى قوة حركات المقاومة وموقف دول الممانعة، ممكن ووارد بقوة. وما حصل في الجولان مقدمة تحمل الكثير من الدلالات، وذكرى تحرير جنوب لبنان العام 2000 ليست بعيدة.

ــ إن إسرائيل استشرفت خطراً يتهدّد وجودها، ولم يتردّد نتانياهو في القول إن الأمور تدل على أن صراعهم، أي الفلسطينيين ومن يدعمهم، ليس على حدود العام 1967، بل على وجود إسرائيل.

ــ أثبتت سوريا أنها تستمر مركز الفعل برغم تعكير صفوها الداخلي، وذاك أمر التقطته إسرائيل، فصوّبت على الرئيس بشار الأسد وحمّلت دمشق المسؤولية،

ــ أكد لبنان، ومن مارون الراس ورمزيتها، أنه رافد أساسي في مسار تحرير فلسطين، وعزّز الجنوب موقعه ممراً ومركزا للعبور نحو البلد المحتل. إلى ذلك، وإن كانت القضية الفلسطينية وجدت نفسها، في موضع بالغ الأهمية، فلسطينياً وعربياً ودولياً، غير أن هذا الاهتمام ظلّ حتى اللحظة في الدائرة المعنوية بشكل أساسي ولم يخرج كثيراً عنها إلى الدائرة العملية السياسية. وحسب المحلّلين، من الصعب الحديث اليوم عن متطلبات جديدة في ظل انشغال المنطقة العربية ولسنوات طويلة مقبلة بعمليات إعادة بناء ما تمّ هدمه عبر عقود من الفساد.

 

إسرائيل اضعف

ولكن الأصح، حسب أحد الخبراء اللبنانيين في الشؤون الفلسطينية، هو أن إسرائيل اليوم أقلّ قدرة على المرونة والمناورة، عازياً ذلك إلى كون الظروف الدولية باتت أشدّ ضغطاً من أجل حلّ ما مقبول في الشرق الأوسط، كما أن الظروف الميدانية في العديد من الدول العربية تبشّر بتغييرات لاحقة، ولهذا السبب فإن قراءته الأولية لملامح المستقبل تبدو أكثر غموضاً وقتامة لإسرائيل من أي وقت مضى.