أكثر ما استوقف في الإعلان عن استقالة المبعوث الخاص جورج ميتشل من مهمته، كان توقيته وتقاطع هذا التوقيت مع مواعيد قريبة هامة للبيت الأبيض. مغادرته بحدّ ذاتها لم تكن مفاجئة. فقد سبق وتردّدت توقعات وتلميحات بشأنها أخيراً في واشنطن، لاسيما وأنه منقطع عن جولاته إلى المنطقة منذ ثلاثة شهور. لكن الإدارة التزمت الصمت حول الموضوع.

البيان الرسمي، ذكر أن ميتشل كان قد تعهد من الأساس بأن يبقى سنتين في مهمته كوسيط. خدم مدة تتجاوز التزامه. كما ذكر البيان أنه يترك لأسباب شخصية. ويمكن تفهم ذلك، إذ أنه بلغ سن ّ السابعة والسبعين. كل هذا صحيح.. ولكن تزامن هذا التطور مع خطاب هام للرئيس أوباما خاص بالشرق الأوسط، كما مع لقاء الرئيس وبنيامين نتنياهو في البيت الأبيض؛ لا يبدو صدفة. فموعد الخطاب 19 الجاري. وموعد الاجتماع الثنائي، في اليوم التالي. وبين الاثنين تنتهي مهمة ميتشل. بعد الأول وقبل الثاني، بساعات.

وفق أحد التفسيرات، إعلان الاستقالة هو في نفس الوقت إعلان لفشل نهج الوساطة؛ وأن إدارة أوباما قررت بالتالي اعتماد مقاربة أخرى، تقوم على المبادرة بطرح صيغة محدّدة للعمل في إطارها.

ويعزز ذلك، أنها اكتفت بتكليف نائب ميتشل الحلول مكانه مؤقتاً، من دوم تعيين مبعوث خاص جديد. وسرى همس في واشنطن بأن الرئيس قد يقوم بتكليف مساعد وزير الخارجية الأسبق والذي كان سفيراً في إسرائيل، مارتن أنديك؛ بمهمة تمثيله للعمل مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لنقل هذه الصيغة إلى حيز التنفيذ. فالرجل مستشار غير رسمي للرئيس وتربطه علاقات خاصة مع أهل القرار في الدولة العبرية.

وينهض هذا التوقّع المتفائل، على الاعتقاد بأن المستجدات والمناخات التي طرأت وسادت أخيراً وفّرت للرئيس أوباما الزخم الذي يحتاجه للمضي في هذا الخيار. بدءا من حالة الغليان في المنطقة وما رافقها من هزات وتغييرات وانتهاء بعملية أبوت أباد (اغتيال أسامة بن لادن).

وثمة من يقول بأن الرئيس الذي أثبت قدرته على اتخاذ القرار الحاسم عندما يقتنع بنضوج ظروفه؛ قد يكرر ذلك بشأن عملية السلام. يساعده في ذلك، أن الأجواء في أوساط متزايدة من صنّاع الرأي والمرجعيات في الشؤون الخارجية، باتت ضاغطة، نسبياً، لصالح تسوية على أساس الدولتين. وهي تأخذ تعبيرات متزايدة في حدّتها. ثم أن الرئيس الذي عززت العملية الأخيرة من رصيده، يحتاج إلى انجاز آخر في مجال السياسة الخارجية، من وزن تفعيل عملية السلام ودفعها إلى خواتمها المطلوبة. كلها مجتمعة، رفعت من درجة التوقعات بحصول حلحلة ملموسة، من جانب رئيس، شدّد الناطق الرسمي في البيت الأبيض على أنه، أي الرئيس «ما زال على التزامه بالسلام كما كان».

بيد أن السوابق تحمل على الحذر. إن عدم تمكّن الولايات المتحدة من فعل شيء، شاهد على عجز الأميركيين الذين عملوا من مبادرات السلام مهنة من دون أن يقووا على ترجمتها»، كما قال السفير والمسؤول السابق شاس فريمان في محاضرة له في مركز الصندوق الفلسطيني بواشنطن، قبل أيام.

وأضاف: «لقد أثبتت واشنطن وباستمرار عدم قدرتها على إنتاج الظروف الاستراتيجية التي من شأنها أن تفضي إلى مفاوضات جادة ". هل استقالة ميتشل وسط الظروف المستجدة مؤشر على تحول نوعي في سياسة اوباما واعتزامه على التقاط الفرصة، أم أن المسألة لا تعدو كونها تبديل في الإخراج المهني، كما قال السفير شاس؟ ».