لم يكن فرحات الراجحي معارضا للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي ولم يتعرض في العهد السابق للسجن او التعذيب او الملاحقة القانونية او النفي، كما لم ينتم الى حزب سياسي معارض ولم تعرف عنه الجماهير التونسية انه كان من المنظّرين للديمقراطية او من اصحاب الاطروحات الفكرية. ومع ذلك تم تكليفه بحقيبة وزارة الداخلية في مرحلة ذات حساسية خاصة في تاريخ تونس.

ويعترف الراجحي بأنه لم يكن مؤهلا لتحمل هذه المسؤولية، ما يعني وجود طرف بعينه اراد له ان يكون وزيرا للداخلية لتنفيذ مخطط من اول بنوده حلّ الحزب الحاكم سابقا «التجمع الدستوري الديمقراطي» وتوتير الأوضاع الامنية والاعتراف بأحزاب سياسية يحوم جدل واسع بشأن مرجعياتها الفكرية والإيديولوجية وإقصاء وجوه واسماء من أسلاك الأمن من باب الانتقام من العهد السابق دون النظر إلى حقيقة التوازنات. وتم استعمال الراجحي في حل «التجمع الدستوري الديمقراطي» والغاء الامن السياسي وفي التشكيك في انتماءات المحافظين والمسؤولين المحليين ما تسبب في مشاكل امنية لا تحصى بالمناطق الداخلية ادت الى خسائر بشرية ومادية.

وكان وزير الداخلية السابق يطلع في كل مرة على وسائل الاعلام وخاصة القنوات التليفزيونية المحلية بخطاب شعبوي يجعله قريبا من العامّة ويؤكد في ذات الوقت فقدانه للحسّين السياسي والامني اللذين يستلزمهما الاشراف المباشر على وزارة من وزارات السيادة.

ولعل القطرة التي افاضت الكأس تلك المتعلقة باقدام الراجحى على تجاوز رئيس الجمهورية المؤقت فؤاد المبزع والمبادرة من تلقاء نفسه بتعيين مدير للامن الوطني ما جعل رئيس الحكومة المؤقتة الباجي قائد السبسي يدعوه الى تحمل مسؤولية اخرى جبرا بخاطره وهي رئاسة الهيئة الوطنية العليا لحقوق الانسان والحريات العامة بامتيازات وزير.

 

مشاكل الاقالة

اقالة الراجحي من وزارة الداخلية تسببت في مشاكل عدة منها ان مجلس حماية الثورة استنكرها بشدة. وقال انها تمت بدون استشارته وان الوزير الجديد الحبيب الصيد كان من مسؤولي العهد السابق. في المقابل، شعر المنتسبون الى الوزارة بالارتياح لمجموعة اسباب منها انهم يحتاجون الى وزير يعرف خصوصيات وظائفهم و يتفهم واقعهم في هذا الظرف بالذات الذي اتجهت فيه اغلبية الاصوات لادانة الامن بكل تشكيلاته واعتباره المسؤول عن القمع والفساد في العهد السابق وعن القتل والتنكيل اثناء الثورة وعن الفوضى العارمة بعد سقوط نظام بن علي.

ويبدو ان الراجحي الذي يعترف بأنه غير مسيّس اصبح جاهزا في كل الحالات لفتح باب المواجهات عندما يعتقد التونسيون ان حالة من الانفراج قد تحققت. فخلال الاسبوع الماضي وبعد الوصول الى حل توافقي حول المادّة 15 من القانون الانتخابي، كان هناك سيناريو جديد للدخول بالبلاد في حالة من الفوضى، تمثل في تصريحات قال عنها مسؤول الاتصال بالحكومة انها غير مسؤولة و اعتبرها قائد السبسي خطيرة و ناتجة عن عقل متوسط الامكانيات.

كان فرحات الراجحي يتحدث بلغة تهيّج مشاعر الشارع وتطرح اكثر من سؤال عن حقيقة وعي صاحبها بخطورتها في ظل حالة المراهقة السياسية المسيطرة على المشهد التونسي، حيث ان مجرد الحديث عن امكانية لقاء بين قائد اركان الجيوش الجنرال رشيد عمار والرئيس السابق في الدوحة، امر لا يقبله العقل السياسي والاعلامي والقانوني ولكنه يمكن ان يؤثر في الشباب المندفع وفي الشارع المتأرجح بين اغلبية صامتة واقلية متفجّرة.