يعتقد المراقبون ان المشهد السياسي التونسي يسير نحو المزيد من التعقيد والضبابية لعدة اسباب، اهمها اتجاه الاغلبية الساحقة من التونسيين الى الصمت وترك المجال لأقلية تتصارع فيما بينها حول السلطة والنفوذ السياسي، وهو امر ليس بالجديد إذ إنه كان موجودا في عهد ما قبل الثورة.
فغالبية التونسيين كانوا يمارسون «الحياد السلبي» في العهد السابق، واثناء الثورة التي اطاحت بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وعلى عكس ما قيل ويقال، فإن الثورة ألاالتونسية لم تكن ثورة الملايين من ابناء الشعب.
ولم تشهد تونس مسيرة غضب مليونية مثلما حدث في مصر او يحدث في اليمن، وانما ألاكانت حالة غضب لبعض الاف من الفقراء، سرعان ما التفّت حولها اطراف نقابية وسياسية مدعومة بآلة اعلامية عربية وغربية تسعى الى جعل تونس ساحة لـ« بروفة » الثورات العربية المنتظرة، والتي تستهدف انظمة بعينها في اطار استراتيجية اميركية، بحسب بعض المراقبين.ألا
والاغلبية الصامتة في عهد بن علي هي ذاتها الاغلبية الصامتة اليوم، والتي دعاها رئيس الحكومة المؤقتة الباجي قائد السبسي ألافي ألااكثر من مناسبة الى التحرك و التعبير عن موقفها ازاء ما يدور في البلاد، و العمل على تعزيز مقومات الاستقرار.
ومن ينظر اليوم إلى المشهد السياسي في تونس، يكتشف ان القلة القليلة ممن يعتقدون انهم صنعوا الثورة هم الذين يضعون اليوم ايديهم على دواليب القرار في البلاد.
استطلاع
وقد اثبت آخر استطلاع للرأي قامت به مؤسسة «غلوبال سارفيس مانجمنت»، خلال الفترة بين 20 ابريل و 2 مايو، ان 75٪ من التونسيين ألايرون ان الكثير ممنألايتكلمون باسم الشعب لا يمثلونهم ، في حين مازال 83،2٪ لا يعرفون من سينتخبون يوم 24 يوليو القادم. وقال 53٪ منهم ان ثقافتهم الحزبية والسياسية ألاضعيفة، بينما كانت تلك الثقافة منعدمة عند 40٪ منهم.
ولم يُبدِ معرفة جيدة بالمشهد السياسي الا 9،5 بالمئة، قال 4،6 بالمئة منهم انهم سيصوتون لزعيم حركة النهضة الاسلامية راشد الغنوشي، مقابل 3،6 بالمئة سيصوتون لزعيم الحزب الديمقراطي التقدمي احمد نجيب الشابي، فيما سيختار 1 بالمئة زعيم حزب المؤتمر من اجل الجمهورية المنصف المرزوقي، و0،9 بالمئة سيصوتون لزعيم حزب التكتل من اجل العمل والحريات مصطفى بن جعفر. و قد تبيّن من الاستطلاع ان 13،8 فقط من التونسيين يهتمون بالشأن السياسي في بلادهم، تتراوح اعمارهم ما بين 35 و 44 عاما.
تجاذبات
وفل ظل كل تلك التطورات، تعيش تونس في تجاذبات واضحة بين طرفين دوليين واضحين، هما الطرف الفرنسي الذي يعتمد على ألاعلاقاته التاريخية مع البلاد وعلى تأثيره الثقافي والاقتصادي فيها، مقابل طرف اميركي يسعى الى تحويل تونس الى مداره وجعلها «ايقونة رهانه» على التحولات الديمقراطية في المنطقة العربية.
واذا كانت باريس قد وقفت الى آخر لحظة مع نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، فإن ألاواشنطن كانت منذ العام 1999 ترى ان رحيل بن علي امر حتمي لجعل تونس منطلقا لمشروعها في المنطقة، وانجاح التحول الديمقراطي. إلا أنه منذ الايام الاولى للثورة اتضح الخلاف بين الطرفين الفرنسي والاميركي.
وظهرت بوادر هذا الخلاف، حيث تم سحب البساط من تحت «صديق» واشنطن الوزير السابق كمال مرجان الذي استقال من الحكومة للاعداد لدور سياسي منتظر، ليصدر قرار بمنعه من ذلك في اطار قانون انتخابي يحول دون ترشح اي شخصية سياسية انتمت الى الحزب الحاكم سابقا لاتنخابات المجلس التأسيسي المنتظر تنظيمها يوم 24 يوليو القادم.
واذا كان الجيش التونسي معروفا بعلاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة ألاتدريبا وتسليحا، فإن هناك من يتحدث عن دور اميركي في ثورة 14 يناير، التي ما كان لها ان تتحقق لولا موقف القوات المسلحة والجنرال رشيد عمار الداعم لارادة الشعب.
وقد جاءت التصريحات المسربة ألالوزير الداخلية التونسية السابق ألاوالرئيس الحالي للهيئة الوطنية العليا ألالحقوق الانسان و الحريات فرحات الراجحي ألالتهز العلاقة الصحية الوحيدة القائمة في البلاد بعد الثورة، وهي العلاقة بين الشعب والجيش، ما يعطي انطباعا بأن لا شيء تخلقه الصدفة، وانما هناك خيوط تتشابك تنفيذا لاجندات متصلة بوضع تونس الاقليمي وبمستقبل علاقاتها الخارجية اكثر من ألااتصالها بالشأن الداخلي.
وما يزيد من تأكيد ذلك ان الراجحي ربط ما وصفه بتآمر الجيش على المسار الديمقراطي والاعداد لانقلاب عسكري في حالة فوز الحركة الاسلامية بنتائج الانتخابات بالإعلان عن زيارة سرية، قال ان الجنرال رشيد عمار قام بها الى الجزائر.