الإصلاحات التي اعلن عنها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في ‬16 ابريل هي في نظر الامين الاول لجبهة القوى الاشتراكية كريم ثابو مجرد إعادة ترتيب لأثاث بيت السلطة. وأن الاصلاح الحقيقي سيأتي، وان طال انتظاره.

لكن هذه الصورة الجميلة للجزائر وهذه الخاصيات التي وضعتها على سكة الممارسة السياسية السليمة شوهها قرار اتخذه بوتفليقة بإيعاز من حاشيته في العام ‬2008، حين أخضع الدستور لإرادته في البقاء عوض أن يخضع له ويرحل.

وفضلت اقطاب مهمة في المعارضة دعوة السلطة الى اصلاحات جدية دون عنف ورفعت عرائض واقتراحات من اهمها تلك التي قدمها زعيم القوى الاشتراكية حسين ايت احمد والداعية الى حل المؤسسات القائمة وانتخاب مجلس تأسيسي لاعادة صياغة دستور جديد تبنى عليه الجزائر الجديدة او ما سماها البعض «الجمهورية الثانية» . و تنظم على اساسه انتخابات برلمانية ورئاسية مسبقة. لبداية العهد الديمقراطي الجديد. وساندت هذا الموقف عدد كبير من الأحزاب والشخصيات المؤثرة في المجتمع. فمعظم أطراف المعارضة وان اختلفت في أساليب العمل إلاّ أنها تتفق بأن النظام صار غير شرعي لان الفترة الرئاسية الثالثة لبوتفليقة غير دستورية.

لكن تبني الأساليب المتبعة في البلدان العربية الأخرى بات غير مجد في الظرف الحالي على الاقل بالنظر للفجوة الموجودة بين المعارضة السياسية والشارع الذي يراها جزء من الديكور العام للنظام كما يتطلب الامر.

 

خطوة غيرت الصورة

خطوة واحدة عمرها عامان، غيرت صورة الجزائر السياسية ورشحتها للانضمام إلى حظيرة الدول المعنية بالاحتجاجات السياسية والجدل حول شرعية النظام.

في تونس كما في مصر واليمن وليبيا وغيرها ثار الناس بشعار: «الشعب يريد إسقاط النظام» لأن الأنظمة جثمت على الصدور عقودا ولم تترك أي مجال لتغيير الرجال والسياسات، والطريق الوحيد الذي رسمته لمستقبل الحكم هو التوريث، لكن في الجزائر لم يكن هذا الدافع متوفرا قبل عامين.. إذ كانت بعيدة تماما عن ركب «الرئيس مدى الحياة»، وكانت أيضا خالية من فكر التوريث، فالانتخابات تجري دوريا وبلا بلطجية، ومعالم التداول على السلطة او على كرسي الرئاسة على الأقل متوفرة، بقدر لم تتوفر في أي من جمهوريات العرب الأخرى. العقيد معمر القذافي والفريق علي عبدالله صالح عاصرا ستة رؤساء جزائريين، أما الرئيس المصري السابق حسني مبارك و الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي فعاصرا خمسة منهم.

والجزائر هي البلد العربي الوحيد الذي يوجد به أربعة رؤساء سابقين على قيد الحياة يجتمعون بالرئيس الخامس الحاكم في المناسبات الرسمية أمام الملأ ويتبادلون التهاني ويصدرون تصريحات مشتركة. وهي أيضا البلد الوحيد الذي أعلن فيه رئيس منتخب التنحي قبل نهاية فترة حكمه وسلم الرئاسة لخلفه في جو ودي. كما كانت الجزائر ، إلى ما قبل عامين، البلد العربي الوحيد الذي يحدد دستوره مدة الرئاسة بخمس سنوات قابلة للتكرار مرة واحدة، وهو النظام المعمول به في الديمقراطيات التقليدية الغربية.

لكن هذه الصورة الجميلة للجزائر وهذه الخاصيات التي وضعتها على سكة الممارسة السياسية السليمة شوهها قرار اتخذه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بإيعاز من حاشيته في العام ‬2008، حين أخضع الدستور لإرادته في البقاء عوض أن يخضع له ويرحل.

 

تمسك بالأمل والشرعية

لاستعراض وضع الجزائر السياسي الحالي لابد من العودة للظروف التي جاء فيها الرئيس بوتفليقة للحكم، فوصول الرئيس الحالي إلى سدة السلطة في العام ‬1998 كان مفاجئا، ولم يكن احد يتوقع أن هذا الرجل سيصبح يوما رئيسا للجزائر.

بدأت الحكاية حين قرر الرئيس اليمين زروال في سبتمبر ‬1998 التخلي الطوعي عن الرئاسة، بعد ثلاث سنوات من انتخابه لفترة تمتد خمس سنوات. إذ أعلن في خطاب موجه للشعب انه يريد الرحيل وانه ملتزم بتنظيم انتخابات تعددية نزيهة في غضون شهور لضمان السير العادي للمؤسسات الدستورية.

وجاء انسحاب زروال بعد قيادته عملية سياسية كبيرة أسفرت عن عودة المسار الديمقراطي الى وضعه بعدما تضرر على اثر إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام ‬1991 وما تبع ذلك من عنف عصف بالبلاد الى اقتتال مدمر، حيث اشرف على سن دستور جديد جرى الاستفتاء الشعبي عليه العام ‬1996، ووسّع مجال الحريات، وقلّص صلاحيات الرئيس لتعزيز دور البرلمان، وقيّد التجديد للفترة الرئاسية بمرة واحدة. وفي العام الموالي جرت انتخاب البرلمان والمجالس المحلية وأصبحت كل المؤسسات قائمة.

وخلال ثمانية شهور فصلت بين قرار التنحي وتاريخ انتخاب الرئيس الجديد شهدت الجزائر حراكا سياسيا غير مسبوق لتوفر الحريات و وجود نخبة سياسية على استعداد للتنافس على قيادة البلاد. وفي خضم ذلك الحراك دخلت المؤسسة العسكرية على الخط واستقدمت عبدالعزيز بوتفليقة وكرّسته مرشحا رسميا للنظام. وسخّرت إمكانيات الدولة الهائلة ماديا وإعلامياً وإدارياً لفوزه كون معظم المدعوين للتصويت لا يعرفونه لبعده عن النشاط السياسي منذ منتصف الثمانينات.

وفي ابريل ‬1999 جرت الانتخابات وفاز بوتفليقة بعدما تحول إلى مرشح وحيد نتيجة انسحاب كل منافسيه عشية تاريخ الاقتراع احتجاجا على انحياز الإدارة (الحكم) والجيش والإعلام الرسمي له. و تمكن الرجل في وقت قصير من كسب شعبية عارمة فاجأت أنصاره وخصومه معا بفتحه ورش إصلاح عديدة في السلطة التنفيذية والقضاء والمنظومة التربوية وإعلانه العمل على وقف إراقة الدماء بعد عقد كامل من المواجهات المسلحة خلفت عشرات الآلاف من القتلى.

أحب الجزائريون رئيسهم وأعجبوا بفصاحته وقدرته على نقل تصوراته فهتفوا له ومجدوه ولم تتأثر مكانته بأحداث العنف التي اندلعت في منطقة القبائل ربيع العام ‬2001 وخلفت أكثر من ‬120 قتيلا مدنيا برصاص قوى الأمن. فلقد كان نشاط بوتفليقة قويا غطى على فظاعة ودموية تلك الأحداث، بل وغطى على قرارات تعسفية منعت اعتماد أحزاب جديدة وقيّدت الحريات خاصة الصحافية منها والدينية بموجب تعديل قانون العقوبات صيف ذلك العام. ومر ما صار يسمى «قانون الجور» بلا ضجيج وسط وعود من الرئيس وحكومته بترقية مستوى المعيشة وتطوير كل مناحي الحياة خاصة وان اعتلاءه كرسي الرئاسة صاحبه تحسن في عائدات البلاد بفعل ارتفاع متتابع لأسعار المحروقات فتح آفاقا واسعة لإحداث وثبة اقتصادية واجتماعية واعدة. وكان انتخابه فترة رئاسية أخرى العام ‬2004 منتظرا لاستمرار شعبيته لاسيما في أوساط الشباب الموعودين بتحسين أوضاعهم إن بالتوظيف أو بالقروض، وهم أكثرية الجزائريين. وفاز بوتفليقة فعلا بالفترة الثانية بنسبة ‬85 في المئة.

و وعد الرئيس بوتفليقة بأن يركز جهده هذه المرة على الجانب الاقتصادي و رفع مستويات النمو وتقليص البطالة بعد ما كانت الفترة الأولى لاستعادة السلم والاستقرار. وتحققت أشياء كثيرة من تلك الوعود، لكن، وفي المقابل تميزت هذه الفترة أيضاً بمزيد من التضييق على الصحافة، واتساع الفوارق الطبقية في المجتمع، واندفاع آلاف من الشباب الذين خابت آمالهم في موجات من المهاجرين غير الشرعيين باتجاه الضفة الأخرى للبحر المتوسط، إلى جانب انتشار غير مسبوق للفساد في الدولة دفعت بوتفليقة نفسه إلى دق ناقوس الخطر والسعي لتأسيس هيئة لمحاربته لم تر النور إلا بعد التمديد.

لكن كل هذه النقائص، وحتى التجاوزات، حملت معها فقط احتجاجات اجتماعية للمطالبة بتحسين الأوضاع، ولم تكن دافعا لمطالبة واسعة برحيل النظام أو الرئيس أو حتى الحكومة التي عينها.

 

التمديد او نكسة الديمقراطية

وعند اقتراب نهاية الفترة الرئاسية الثانية تحركت أحزاب وتنظيمات موالية لبوتفليقة، وفي مقدمتها أحزاب الحلف الرئاسي الثلاثة: جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي وحركة مجتمع السلم على نطاق واسع ونظمت مهرجانات طالبت فيها بتعديل الدستور بما يتيح استمرار بوتفليقة بحجة أن برنامجه الإنمائي ومشروع المصالحة الوطنية اللذين انطلقا العام ‬2005 يحتاجان لجهوده وبقاء رعايته. وربطت هذه التنظيمات استقرار البلاد ببقاء بوتفليقة وليس باحترام قواعد الديمقراطية. بل واعتبر عبدالعزيز بلخادم تحديد مدة الرئاسة توجها غير ديمقراطي لأنه «يعزل الطاقات الخلاقة عن الفعل السياسي». وفي آخر العام ‬2008 التأم البرلمان بغرفتيه والحكومة والقيادات المدنية والعسكرية حول الرئيس في حفل بهيج وتم رسمياً شطب المادة الدستورية التي تمنعه من الترشح لفترة ثالثة..وسجلت السلطة الحدث ضمن الانتصارات التي تحققت في عهد بوتفليقة فيما كان في نظر الجزائريين، نكسة للديمقراطية، وخرقا صارخا للدستور، وإذلالا لمن صوتوا عليه قبل ‬12 عاما، فغضب من غضب ورحب من رحب لكن الأمور تقدمت وفاز بوتفليقة بفترة ثالثة بمجموع زاد عن ‬90 في المئة.. فيما جمع خمسة منافسين صوريين اقل من ‬10 في المئة. ولم تتقدم للانتخابات أية شخصية قادرة على المنافسة.

وحين بدأت الانتفاضات في بعض الدول العربية وبدأ الحكام يرحلون قال عديد من النواب في البرلمان إنه «لو وقعت هذه الثورات العام ‬2008 لما كان التمديد بالتأكيد ولظلت الجزائر في منأى عن ما يحدث في محيطها»، وأن الرئيس ما كان ليقدم على تلك الخطوة لولا انه تلقى الضوء الأخضر من قيادة الجيش وهو حتى الآن يحظى بتأييد القوات المسلحة التي يهمها الاستقرار أكثر من أي عامل آخر.

والاستقرار هنا لا يعني بقاء الرئيس فقط، ولكن بقاء التوازنات التي تتحكم في بنية النظام. فالرئيس هو النقطة المحورية التي تلتقي عندها آراء ومصالح وطروحات مختلفة داخل جهاز الحُكم و دوره هو صياغة مواقف وإجراءات وقرارات بناء على تلك المصالح والطروحات والآراء. وهو وان قل نشاطه بفعل المرض والتقدم في السن إلاّ أنه لا يزال يؤدي الخدمة وتحتاج له كل الأطراف ولم يتوفر حتى الآن بديل حصل على الإجماع مثل بوتفليقة. فلو توفر هذا البديل قبل عامين لما كانت الحاجة إلى التمديد لبوتفليقة وارباك النظام السياسي برمته. وهذا العامل هو السبب الذي جعل البلدان الغربية تمتنع عن التعليق عن قرار خرق الدستور بتلك الطريقة الفلكلورية.

 

اجراءات استباقية للجم الاحتجاجات

عندما كانت نار الاحتجاجات مستعرة في تونس تحرك مئات الآلاف من الجزائريين في ‬40 ولاية على اثر ارتفاع مفاجئ لأسعار بعض المواد الغذائية وللمطالبة بالشغل والمساكن. ووقعت في عديد المدن صدامات مع قوى الأمن خلفت ستة قتلى كما تعرضت مرافق عمومية وخاصة للتخريب.

وبعد أربعة أيام من المجابهات توقف كل شيء فجأة مباشرة بعد تدخل قوى سياسية لركوب تلك الاحتجاجات ورفع مطالب غير تلك التي ثار الشارع من اجلها. وفي مقدمة من حاول استغلال تحرك الشباب الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، حيث وجّه رئيسها عباسي مدني المقيم في العاصمة القطرية الدوحة بيانا دعا فيه الجزائريين إلى الاستمرار في العصيان ونزل نائبه علي بلحاج في اليوم الثالث إلى الشارع لقيادة المواجهات ضد الشرطة. وفي اليوم نفسه اصدر القائد العام لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بيانا للجزائريين والتونسيين دعاهم «لإسقاط الطغاة». .

وكانت لنتيجة أن أوقف الشباب الجزائري احتجاجاتهم مباشرة بعد دخول الجبهة الإسلامية على الخط. وبالمقابل سارعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة بدأ تطبيقها فورا ويأتي في مقدمتها إعادة الأسعار إلى ما كانت عليه قبل الاحتجاج ثم تخفيضها بنسب هامة بعد ذلك، بالإضافة إلى فتح مجال واسع للقروض الموجهة للشباب والعائلات لإطلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة وفتح عشرات الآلاف من فرص العمل دفعة واحدة وتخفيف الإجراءات الإدارية في مختلف المصالح وإلغاء قوانين كان المواطنون يشتكون منها على غرار قانون المرور الذي بدأ تطبيقه قبل أربع سنوات. ورفعت الحكومة أجور العمال والموظفين في عدد كبير من القطاعات الكبيرة، و زيادة المعاشات بالنسبة للمتقاعدين ورفع المنح الدراسية للطلاب وجرى توزيع آلاف المساكن الجاهزة والإعلان عن توزيع أخرى قريبا في مختلف ولايات القطر، وسيل لا ينتهي من الإجراءات الرامية لامتصاص الغضب في «إجراءات استباقية» لم تشهد الجزائر مثلها دفعة واحدة.

وخلق هذا الوضع حركية واسعة في المجتمع فاتجه الاهتمام للمشاريع والقروض والوظائف والمكاسب فشكلت بالفعل عامل استقرار عام مع بقاء احتجاجات قطاعية محدودة تطلب المزيد لكنها لا ترقى إلى مستوى الاحتجاج العام لمطالب سياسية. وعلى الصعيد السياسي أعلن بوتفليقة في السادس عشر من ابريل عن حزمة اصلاحات تجسد خلال عام يتقدّمها تعديل «معمّق» للدستور و قوانين الاحزاب والانتخاب والاعلام . ويؤدي التكامل بين الإجراءات الاجتماعية والإصلاحات السياسية حسب مرامي السلطة ـ الى توفير حركية تنتهي الى تغيير سلس لا يؤثر على البناء العام للدولة.

 

دعوة إلى الجمهورية الثانية

الغائب الأكبر في احتجاجات الجزائر هي المعارضة التي دخلت معركة كسب الشارع مشتتة. فقد التأم قادة سبعة أحزاب محسوبة على التيار الديمقراطي لإيجاد صيغة للاحتجاج على الوضع السياسي المتردي خاصة ما تعلق بمنع اعتماد خمسة أحزاب قدمت ملفاتها منذ بداية عهد بوتفليقة، والتضييق على حرية التعبير وحرية التظاهر في العاصمة والمطالبة بإصلاحات وفتح الإعلام الثقيل الذي تسيطر عليه السلطة للرأي الآخر.. لكن الجمع افترق بلا اتفاق. بعد انسحاب جبهة القوى الاشتراكية اكبر الأحزاب المعارضة وأكثرها تأثيراً وراديكالية في مواقفها تجاه النظام من الاجتماع لمعارضتها اتباع نهج المحتجين في تونس ومصر لعدم نضوج ظروف النجاح. وشكلت الأحزاب المتبقية مع بعض الجمعيات والمنظمات الحقوقية ومجموعات من الشباب جمعتها مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت ما سمي «التنسيقية الوطنية للتغيير» وحاولت تنظيم مسيرة أولى في ‬12 فبراير بوسط العاصمة لكن المسيرة فشلت ولم تتحرك بفعل إنزال امني مكثف.

وفضلت أقطاب مهمة في المعارضة دعوة السلطة إلى إصلاحات جدية دون عنف ورفعت عرائض واقتراحات من اهمها تلك التي قدمها زعيم القوى الاشتراكية حسين آيت احمد والداعية الى حل المؤسسات القائمة وانتخاب مجلس تأسيسي لإعادة صياغة دستور جديد تبنى عليه الجزائر الجديدة او ما سماها البعض «الجمهورية الثانية» . و تنظم على أساسه انتخابات برلمانية ورئاسية مسبقة. لبداية العهد الديمقراطي الجديد. وساندت هذا الموقف عدد كبير من الأحزاب والشخصيات المؤثرة في المجتمع. فمعظم أطراف المعارضة وان اختلفت في أساليب العمل إلاّ أنها تتفق بان النظام صار غير شرعي لان الفترة الرئاسية الثالثة لبوتفليقة غير دستورية.

لكن تبني الأساليب المتبعة في البلدان العربية الأخرى بات غير مجد في الظرف الحالي على الاقل بالنظر للفجوة الموجودة بين المعارضة السياسية والشارع الذي يراها جزء من الديكور العام للنظام، ويتطلب الامر كما قال برلمانيون تحدثوا لـ «البيان» إنضاج الشروط اللازمة للتغيير الفعلي على نار هادئة. فالإصلاحات التي اعلن عنها بوتفليقة في ‬16 ابريل هي في نظر الامين الاول لجبهة القوى الاشتراكية كريم ثابو مجرد إعادة ترتيب لأثاث بيت السلطة. وأن الاصلاح الحقيقي سيأتي، وان طال انتظاره.

 

«كتم الأنفاس»

فشلت مسيرة ‬12 فبراير وسط العاصمة الجزائرية فعل إنزال امني مكثف بمكان انطلاقها، حيث تم تقويض المتظاهرين و حصرهم في مكان واحد مقطوع الأوصال.

كان رجال ونساء الأمن بلا سلاح وبلا قنابل مسيلة للدموع اعتمدوا فقد على تطبيق «تمارين كتم الأنفاس» فتوقف كل متظاهر في مكانه مشلولا دون القدرة على التقدم.

وتكررت العملية مرات ومرات كل يوم سبت، وتناقصت الأعداد باستمرار حتى تلاشت، و لم يعد هناك من يخرج للتظاهر.

خياران بدرجة «سيىء»

أشارت إحدى تسريبات ويكيليكس أن وزارة الدولة الأميركية للخارجية تلقت برقية من سفيرها في الجزائر وقتها ديفيد بيرس حلل فيها وضع الجزائر وأكد ان بقاء بوتفليقة سيىء لأنه يحتاج إلى خرق الدستور وتعريض الديمقراطية الناشئة للانتكاسة، وأن ذهابه أيضاً سيء لعدم وجود شخصية تجمع عليها الأطراف المتنفذة في الحكم.

وخلاصة الموقف، تتمثّل في أن «بقاءه هو اقل الأضرار».. وهذا الموقف الأميركي جزء من مزاج دولي عام كان وراء ما أبقى بوتفليقة في الحكم رغم وضعه الصحي والمانع الدستوري.