على بناية فخمة في المنطقة الراقية من هضبة المقطم رفعت جماعة الإخوان المسلمين لأول مرة لافتة تحمل عبارة «المركز العام للإخوان المسلمين» المبنى واللافتة جاءا بعد عقود من الحظر القانوني للجماعة وبعد إغلاق أول مركز عام لها في العام ‬1949 وهو الإغلاق الذي تبعه اغتيال الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة في ‬12 فبراير من العام نفسه.

ورغم أن المسافة بين المركز العام للجماعة الجديد في المقطم والمركز القديم في الحلمية الجديدة بوسط القاهرة لا تزيد على ‬15 دقيقة بالسيارة إلا أن الجماعة استغرقت ‬66 عاماً كاملة لتنتقل من المركز العام القديم الذي ارتبط بذكريات المؤسس إلى المركز العام الجديد الذي يمثل مرحلة جديدة في تاريخ مصر والجماعة بعد ثورة ‬25 يناير التي غيرت وجه الحياة في مصر.

 

حدثان فارقان

وارتبط افتتاح المركز العام الجديد للجماعة بعد كل هذه الأعوام بحدثين تاريخيين هما عقد مجلس شورى الجماعة علناً لأول مرة منذ أعوام طويلة والإعلان عن إنشاء حزب سياسي جديد باسم «الحرية والعدالة» وهو الحزب الذي سيمثل خلال الفترة المقبلة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين داخل مصر مع الأخذ في الاعتبار أن الجماعة تعتبر نفسها عابرة للجنسيات وتتواجد في أي دولة توجد بها تجمعات للمسلمين سواء كانت أغلبية أو أقلية انطلاقا من الدعوة العالمية للإسلام.

ويعد الإعلان عن الحزب الجديد التابع للجماعة من «أبرز المخاوف» من أن تتحول الجماعة وهي أكبر تنظيم سياسي في مصر على أرض الواقع إلى جسم كبير برأسين، الرأس الأول هو الجماعة والثاني هو الحزب إلا أن أحد قيادي الجماعة وعضو مجلس شورتها علي بطيخ قلل من هذه المخاوف قائلا إن الجماعة «ستبقى هي الجسد الدعوي الذي ينشط في مجال الدعوة إلى الله والنشاط الاجتماعي والخيري بينما سيبقى الحزب هو الذراع السياسية التي تنخرط في العمل السياسي اليومي»، إلا أن المنطق وطبيعة السلوك البشري وحتى مقتضيات العمل السياسي تفترض ظهور تنافس بين الحزب والجماعة خلال الفترة المقبلة حتى وإن كانت قيادات الحزب من داخل الجماعة.

وفيما حاول القيادي في الإخوان طمأنة خصوم الجماعة على الساحة السياسية المصرية عندما أكد أن قرار حزبها الجديد بأن تقتصر منافستها على ‬50 في المئة فقط من المقاعد في انتخابات مجلس الشعب المقبلة، فإن ذلك يعد اعترافا من الجماعة بأن «التركة» التي خلفها نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك «ثقيلة» وأن هذه «التركة» تحتاج إلى كل القوى السياسية المصرية لتتعامل معها على اعتبار أن جميع المصريين شاركوا في ثورة ‬25 يناير بصرف النظر عن انتمائهم السياسي أو الديني.

 

حزب الأقباط

على جانب آخر استفز إعلان جماعة الإخوان المسلمين في مصر عن تشكيل حزبهم الجديد النشطاء الأقباط الذين فشلوا حتى الآن في تأسيس حزب سياسي خاص بهم، بعد أن جاء الإعلان الدستوري ليضع ضوابط إنشاء الأحزاب على أساس غير ديني أو طائفي، وكما عمدت جماعة الإخوان إلى ضم شخصيات قبطية إلى صفوفه أبرزهم المفكر المسيحي البارز د. رفيق حبيب فإن رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس لجأ إلى مفكرين وسياسيين مسلمين لمساعدته في تأسيس حزبه الذي أطلق عليه اسم حزب «المصريين الأحرار» وهو حزب ينظر إليه على نطاق واسع في مصر بأنه الغطاء السياسي لكثير من الأقباط المصريين بعد أن عجز حزب الوفد عن استيعاب هذه المطالب.

وفي كل الأحوال فإن المشهد السياسي الجديد في مصر بعد إعلان حزب الإخوان لن يكون هو نفسه المشهد قبل إعلان الحزب فلم يكن إعلان الجماعة عن حزبها السياسي دليلاً على أن النظام الجديد في مصر الذي لم تظهر ملامحه بعد، يقبل بمنح الجماعة وحزبها شرعية قانونية وسياسية كاملة فحسب، بل بدا ما هو أكثر من ذلك وهو أن جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الجديد سيكونان أحد ملامح هذا النظام الجديد، وهو ما بدا من وصلة الغزل للقوات المسلحة المصرية التي تضمنتها كلمة المرشد العام للجماعة محمد بديع في بداية جلسة مجلس الشورى، الأمر الذي دفع مراقبين لأن يتوقعوا أن يكون رئيس وزراء مصر المقبل من جماعة الإخوان المسلمين.