كثيرة هي المبادئ التي تحفل بها أدبيات حزب البعث العربي الاشتراكي. تزاحمت تلك المبادئ في جنبات القوانين الداخلية الناظمة لعمل الحزب منذ تأسيسه قبل أكثر من ستة عقود. ولعل الآباء المؤسسين له لم يكونوا ليدروا بأن انشقاقاتٍ وصراعاتٍ داخلية ستنتهي به في آخر المطاف إلى العدم ليشبه إلى حدٍ بعيدٍ حالة فيزيائية ستاتيكية. يدل تاريخ تأسيس الحزب على أنه كان لمسيحي الشرق الفضل الأساس في تكوين نواة (البعث) الفكرية الأولى.

فقد وجد المسيحيون العرب في الفكر القومي إجمالا ملجأً ينطلقون منه لإيجاد موطئ قدم في المشهد السياسي العربي الذي كان يتبلور إبان الحرب العالمية الأولى وخلال وما بعد فترة الانتدابات الأوروبية، بعدما طفق أقرانهم المسلمون يبحثون عن هويتهم ضمن فضاء الدين. وفي سوريا، كما في العراق، كانت أفكار (البعث) جاذبة للأقليات المهمشة وفئات المجتمع التي لطالما وصمت نفسها بـ(المضطهدة).. فكان أن تأسس الحزب بعيد استقلال سوريا على يد ميشيل عفلق وهاجرت إليه أقليات الريف، ثم ما لبث أن انخرط في معادلة أكرم الحوراني الثنائية بعسكرة السياسة وتسييس العسكرتارية.

دخل الحزب على اثر ذلك في لعبة الانقلابات الدموية في سوريا والعراق في ستينيات القرن الماضي، مستحوذا على السلطة في كلا البلدين، وحسبه تطبيق رسالة الأمة العربية الواحدة الخالدة وأهدافه في الوحدة والحرية والاشتراكية. ثم ما لبث رفاق الأمس أن استمرؤوا السلطة، فعمدوا إلى الانقلاب على زملائهم عبر نزاعاتٍ داخلية اختلط فيها دخان القومي بغبار القطري.

أنهك البعث بخلافاتٍ غذتها عقلية التخوين روح السلطوية معاً، فكان أن صفي قادة في البعث بحركتي فبراير ‬1966 ونوفمبر ‬1970 في سوريا، في حين شهد البعث العراقي سيناريو مشابها في يوليو ‬1968 و‬1979 حينما خرج صدام حسين في مؤتمره المشهور قبل ‬32 عاماً، وبأسلوبٍ يحسده عليه كبار ممثلي هوليوود، ليطرد قيادات الحزب من قاعةٍ دانت له بالولاء الهستيري. وبشكلٍ أقل استعراضاً من شقيقه في بغداد، تحول الحزب في دمشق بالتدريج إلى واجهةٍ سياسيةٍ لحكمٍ اختصر مبادئ الوحدة بوحدة العائلة، والحرية بحرية الاتكال على أبناء المنطقة التي يتحدر منها الرئيس، والاشتراكية بالاشتراك في تذويب مقدرات البلد والزج به في دوامة الارتباط بأوراق ضغطٍ في الإقليم.

والحال، أن انشغال الحزبين بإرسال الهدايا المفخخة إلى بعضهما البعض ودعم معارضيهما، أبعدهما عن دورهما المفترض في قيادة الأمة إلى قراءة رسالتها الخالدة ولو حتى تلمساً.

وإن بات (البعث) في العراق قصاصات ورقٍ محترقة في مهب الريح العاتية التي حلت عليه العام ‬2003، فإن (البعث) في سوريا تكفل بيديه في دفن ذاته بممارساتٍ حولته إلى هيكلٍ فارغٍ في أحسن الأحوال وأداة للتسلط وكسب الرزق وتصفية الحسابات في أسوئها. لم يكلف الحزب (الإمبريالية العالمية وربيبتها إسرائيل مدعومةً بالبرجوازية الرأسمالية وحليفتها الرجعية الدينية)، كما في الأدبيات العتيدة، عناء أداء تلك المهمة.

ولعل من سخرية الأقدار اليوم أن الحزب يدين الآن إلى ممثلي تلك البرجوازية الرأسمالية والرجعية الدينية التي يقف من ورائها أساطين الإمبريالية في المنطقة وما وراء المحيطات، والاتهام دائماً بحسب نظريات (البعث)، بعدما تخلت عنه وثارت عليه نفس الطبقات المهمشة التي لطالما احتكر تمثيلها في (كوتات) الانتخابات من عمال وفلاحين ونقابيين وصغار كسبة من أبناء الريف المهمش.