تشهد تونس تحولات هامة عقب ثورة الـ‬14 من يناير في مختلف المجالات والميادين بما في ذلك علاقة الدين بالسياسة والتي عرفت طيلة أكثر من ثلاثين عاما توترا واضحا أدى إلى صراعات ومواجهات بين الحركة الإسلامية ونظام الحكم سواء في العقد الأخير من عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة أو خلال عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

واليوم يبدو أن المواجهة بدأت تفرض حضورها بشكل مختلف بين حركة النهضة التي حصلت على ترخيص بالعمل العلني كأول حزب إسلامي تونسي وبين تيارات وأحزاب سياسية وفكرية أخرى ترى في هيمنة الإسلاميين تهديدا للنموذج التونسي المبني على أسس الاعتدال والانفتاح على الآخر والتسامح وحرية العقيدة والفصل بين الدين والسياسة.

واول عناوين الصراع الحالي يخص المساجد التي يُتّهم الاسلاميون بالسعي إلى «تسييس خطابها» وتحويلها إلى منابر لتوجيه المصلين نحو مشاريعهم الايديولوجية والسياسية والفكرية في حين تطالب الحكومة وبعض الأحزاب والتيارات السياسية بتحييدها عن الصراع السياسي في البلاد.

يقول الأمين العام لحركة «النهضة» الإسلامية والناطق الرسمي باسمها حمادي الجبالي ان المسجد «ملك لجميع افراد الشعب وهو ما يستوجب تحييده عن كافة اشكال الدعاية الحزبية»، وتعيين الأئمة أمر من اختصاص وزارة الشؤون الدينية لكنه يجب أن يتم في إطار الوفاق بين السلطة والمصلين، بحسب تعبيره. وأضاف أن ما عاشته البلاد خلال الأيام الأخيرة من تجاوزات تمثلت في تعمد البعض انزال الأئمة من المنابر بالمساجد والاعتداء على نساء غير محجبات او إلزام قاصرات بارتداء الحجاب إلى جانب عمليات السطو «من شأنه ان يضر بمصالح المواطنين».

وكانت حركة النهضة أصدرت بيانا أوضحت فيه موقفها من استعمال المساجد في الدعاية السياسية قالت فيه على لسان زعيم الحركة راشد الغنوشي يجب أن «يتولى المصلون انتخاب هيئات أو جمعيات تدير شؤون المساجد وتعين الأئمة لما في ذلك من تكريس لسيادة الشعب»، مؤكدة على ضرورة النأي بها عن التجاذب الحزبي ورفع يد البوليس السياسي واعتماد الكفاءة والعلم والمصداقية والاستقامة ورغبة المصلين عند اختيار الأئمة، وشددت على ضرورة تحسين أوضاعهم المادية والمعنوية.

في المقابل، قال زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي احمد نجيب الشابي والذي كان معارضا بارزا للنظام السابق في تونس وحليفا للإسلاميين، انه «صدم لمواقف النهضة بعد الثورة» وأن برنامجها يهدف للسيطرة على الدولة عن طريق «تجييش المشاعر الدينية وتوظيف المساجد»، بحسب تعبيره.

وأضاف الشابي الذي كشفت الأسابيع الماضية عن حجم الخلاف الفكري والسياسي بين حزبه وحركة النهضة كلنا مسلمون «ولسنا في حاجة إلى من يعلمنا ديننا فالدين يجب أن يكون مستقلاً عن الحقل السياسي»، لافتة إلى أن إضفاء نوع من القدسية على البرامج السياسية «يتناقض جوهريا مع المبادئ الديمقراطية».

 

دور للعبادة

من جانبه، يرى المحامي عبد الفتاح مورو أحد رموز الحركة الإسلامية في تونس أن المسجد «مؤسسة للعبادات ذات دور في تنشئة الأجيال وتربيتهم على المبادئ والقيم الإنسانية والاجتماعية».

بدورها، دعت وزارة الشؤون الدينية في تونس الأئمة إلى ضرورة الالتزام في خطبهم بأخلاقيات الخطاب الديني وبآداب المساجد التي تقوم على الموعظة الحسنة ودرء المفاسد والابتعاد عن النيل من أعراض الناس، وأوصتهم في بيان لها بتحييد المساجد وعدم التعرض في فضاءاتها لكل ما من شأنه التدخل في توجيه الحياة السياسية والاكتفاء بالجانب الديني في خطبهم والابتعاد عن الدعوة إلى التحزب وإشاعة الفتن واستغلال بيوت الله لغايات خارجة عن أهدافها.

يقول وزير الشؤون الدينية عروسي الميزوري ان الوزارة تعتبر أن بيوت الله «لنشر خطاب ديني مستنير معتدل ومتسامح يدعو إلى احترام الآخر واحترام ثقافة حق الاختلاف والى التآلف والوئام والحوار بين الحضارات والأديان والثقافات، أما حقل السياسة فهو من مشمولات الأحزاب وللسياسة فضاءاتها وحقولها ووسائل الإعلام مكتوبة ومسموعة ومرئية، فلا يمكن استغلال بيوت الله في المجال السياسي» بحسب تعبيره.