ما كان من المستغرب أن تتعامل معظم الدوائر والأوساط الأميركية المعنية، مع التوقيع الأولي على مشروع مصالحة «فتح» و«حماس»، على أنه تفريط بفرص السلام. فهذه الجهات، خاصة في الإعلام والكونغرس، اعتادت الا تكون أكثر من صدى للموقف الإسرائيلي.

نتانياهو زعم، بخبثه المعهود، بأن هذا التطور من شأنه التخريب على «السلام» مع إسرائيل. فسارعت هي إلى تكرار نفس المعزوفة ونفس الافتراء الفاقع. وكأن هناك سلاما أو حتى بصيص أمل بمثل هذا السلام المزعوم، للتخريب عليه!

الحدث، مع أنه ما زال في خطوته الأولى، كان له وقع المفاجأة غير المرغوبة، في واشنطن. الردود بخصوصه، حملت الكثير من الانزعاج وعدم الارتياح. ولو بمستويات ومن زوايا، مختلفة. تراوحت بين التحفظ والتحريض الناقم.

فهو يأتي عشية صدور قرار مرتقب من الجمعية العمومية للأمم المتحدة بإعلان الاعتراف بدولة فلسطين. كما يندرج في سياق الحشد الشامل لصدور هذا الإعلان بإجماع دولي، لا تشذّ عنه سوى إسرائيل وواشنطن. زيادة عزلة للأولى وإحراج يداني الفضيحة للثانية.

معادلة لا تريدها إدارة أوباما، مع أنه جرى تحذيرها وعلى لسان خبراء في شؤون المنطقة ومنهم مقربون جدّاً من إسرائيل، بأن القرار الدولي يبدو وكأنه بات في حكم تحصيل الحاصل.

رأب الصدع الفلسطيني، يعزّز التوجه نحو استصدار إعلان الاعتراف الدولي بالدولة. ينزع ورقة الانقسام التي طالما تذرعت بها تل أبيب للتملص من المفاوضات وتسويق تحايلها الاستيطاني.

ومن هنا كان ضيق مفاتيح إسرائيل في واشنطن، حيث قدّموا المصالحة بأنها «حجر عثرة» في طريق عملية السلام. والحيثيات الواهية، هي ذاتها: «حماس». ردود الفعل في الكونغرس ومن المتوقع أن تتزايد كانت الأقوى.

كالعادة لجأ الغاضبون على المصالحة إلى التهديد بوقف المساعدات للسلطة الفلسطينية، أكثر من أربعمائة مليون دولار سنوياٍ؛ لو شكلت حكومة تضم « حماس».

الإدارة كان ردها، في اللون الرمادي. اكتفى البيت الأبيض ببيان كرّر فيه ما سبق وردّدته الوزيرة كلينتون، بأن واشنطن لن تتعامل مع أي حكومة تشارك فيها حركة «حماس» ما لم تعلن هذا الأخيرة «تخليها عن العنف وتعترف بإسرائيل وبالاتفاقيات المعقودة».

وخلا البيان من أي غمز أو ملامة تجاه السلطة الفلسطينية. ثمة مصادر مقربة من الإدارة تستعين بها هذه الأخيرة على سبيل الاستشارة غير الرسمية، دعت إلى عدم الاستعجال في الحكم على هذا التطور، إذ ربما «تقوى السلطة ولو بأعجوبة على إقناع حماس على تغيير طرحها» كما يرى مارتن انديك الدبلوماسي الأسبق.

ربما هو يشير ضمناً إلى احتمال تكرار سيناريو عام ‬1989 عندما أعلن آنذاك أبو عمار في خطابه الشهير في جنيف، التخلي عن العنف. فثمة من يعتقد بأن هناك ضوءا أخضر صدر من المنطقة، تحت ضغط حاجة وحسابات فرضتها تطورات أخيرة؛ سمح بحصول المصالحة، التي قد تتطور في هذا الاتجاه، إذا ما تمّ إبرامها بصورة ناجزة ووضعت موضع التنفيذ.

لكن في المقابل وكيفما انتهى إليه أمر المصالحة، فإن القناعة المتزايدة في أوساط صنّاع الرأي ومرجعيات السياسة الخارجية، بأن «عملية السلام» باتت بحاجة إلى تدخل البيت الأبيض من خلال وضع مشروعه للتسوية على الطاولة. بدون ذلك لن يتحرك قطار السلام من مكانه. الرئيس أوباما يعرف ذلك جيداً. ولكن ..