أحرجت أحداث سوريا إدارة أوباما، أكثر من غيرها.. فلا هي قادرة على التأثير في ساحة بالغة الأهمية باستقرارها وحساسيتها وموقعها، ولا هي تقوى على التفرّج إزاء حركة احتجاج تشكل جزءا من موجة كاسحة تجتاح المنطقة، تعاطفت معها واشنطن ولو أحياناً بخجل أو رفعاً للعتب. فكان أن اختارت من البداية، التعامل معها بتوازن ضبابي. وأحياناً بشيء من التجاهل.

ربما كانت تشتري الوقت، على أمل أن لا تتطور الأمور، كما حصل في عواصم عربية أخرى. وبقيت ردودها في هذه الدائرة، حتى في بدايات التصعيد. الأمر الذي تسبب لها بانتقادات لاذعة، في أوساط صنّاع الرأي وفي بعض وسائل الإعلام؛ التي شنّت حملات شديدة على دمشق ودعت إلى التعاطي معها كما جرى مع النظام المصري السابق وغيره.

بعد نزول الجيش إلى الشارع واحتدام المواجهة، رفعت الإدارة من لهجة خطابها. لكن من غير تصعيد في موقفها. هذا الأخير بقي في حدود التعبير عن «القلق»، مع التلويح بخطوات رمزية، تراوحت بين إدانة العنف المؤسف وبين الحديث عن «عقوبات» ضد شخصيات سورية وأرصدة وقطع غيار.. مروراً بسحب الدبلوماسيين الأميركيين غير الضروريين مع عائلاتهم من دمشق. إجراء ينطوي على تحذير بأن سحب السفير قد يكون الخطوة اللاحقة، إذا اقتضتها الظروف.

 

استدعاء

وقد استدعت الخارجية الأميركية، أمس الاثنين السفير السوري في واشنطن، حيث عقد مساعد وزيرة الخارجية لشؤون المنطقة، جفري فيلتمان. ما تسرّب أن المسؤول الأميركي وضع السفير عماد مصطفى في صورة التدابير التي تنوي الإدارة اتخاذها، ردّاً على تصعيد العنف في مواجهة المتظاهرين. لكن على الأرجح أن اللقاء تناول جوانب أخرى، تتعلق بضرورة ترجيح كفة المخرج السياسي على الخيار الأمني.

ففي رأي واشنطن، أن ذلك ضمانة للنظام كما أنه يعفي الإدارة من تصعيد لا تريده لموقفها. في الواقع، هي لا تقوى على ترجمته.

«لا ينبغي أن تلجأ واشنطن إلى التهديد إذا لم يكن بمقدورها تنفيذه »، كما قال الباحث في مؤسسة وودرو ويلسون للدراسات في واشنطن، آرون ميللر لـ «البيان» وهي غير قادرة.

وأضاف ميللر أن خيارات واشنطن محدودة «بالعقوبات وربما استدعاء السفير من دمشق مع تشديد لهجة الخطاب وما شابه». ولا يتوقع أن يخاطب أوباما دمشق كما خاطب ليبيا بعبارة «على الرئيس الرحيل الآن». وحتى لو نطق بها، فإنها «لن تغيّر في الأمر شيئاً لأن أزمة سوريا يحسم أمرها في سوريا».

 

تأزيم جديد

ما قاله ميللر المتخصص بشؤون المنطقة، يعكس إلى حدّ بعيد القناعة السائدة حتى الآن في واشنطن.

غير أن بعض وسائل الإعلام بدأ يفتح نيرانه مع أعضاء في الكونغرس، خاصة من الجمهوريين، على «رخاوة» أوباما مع سوريا.

وإذا كان الحذر مع مراقبة مجريات الوضع، هو سمة الموقف عموماً، فإن اعتماد دمشق للحلّ الأمني حمل العديد من الأوساط على التكهن بأن الأمور باتت مرشحة للمزيد من التدهور.

الأمر الذي قد يؤدي إلى تأزم العلاقات من جديد، بين واشنطن ودمشق وعودتها إلى ما كانت عليه زمن بوش، وفق معظم التوقعات. لاسيما وأن الخطاب الإعلامي ضاغط.

والكونغرس بدأ يدخل على الخط وفيه رؤوس كثيرة حامية.

لكنه تأزم تحرص واشنطن على أن يبقى محكوماً بالانتظار وبترك كل الخطوط مفتوحة إلى أن تتضح الصورة أمامها وتحين لحظة ركوب الموجة.