مثلها مثل غيرها في المنطقة، حظت الانتفاضة في سوريا ولا تزال، بتغطية إعلامية أميركية مكثفة ومؤيدة لها عموماً. لكن الجديد فيها، أن بعض المتابعات، جاء من زاوية بدا معها وكأن هناك محاولة لتأجيج الوضع وصبّ الزيت على ناره. المعلومات التي يجرى اختيارها أحياناً والمكان البارز التي تحتلّه في وسائل إعلامية، فضلاً عن التوقيت الحساس لنشرها وتسليط الأضواء عليها؛ كله جعلها تبدو كذلك.

ما طلعت به جريدة واشنطن بوست يوم الاثنين، كان النموذج الأبرز. أفردت عنوانها الرئيسي لما حوته وثيقة سرية نشرتها «ويكيليكس»، حول «دعم أميركي مخفي للمعارضة السورية».

حسب الخبر، بدأ المشروع في عهد الرئيس بوش بعد ‬2005 وفي حدود الستة ملايين دولار لتشغيل محطة تلفزيونية في الخارج؛ ضدّ النظام في سوريا. وزارة الخارجية الأميركية، رفضت التعليق. ما يعني أن الرواية صحيحة. لكن ليس هذا هو الموضوع. ما يلفت في الأمر هو أن تتعمد صحيفة بهذا الوزن وفي هذه اللحظة بالذات - التي بدأ فيها النظام يقوم أو يعد بخطوات إصلاحية ولو متأخرة - تخصيص المانشيت الرئيسي لقصة دعم إعلامي قديم وبهذا الحجم المتواضع، لمعارضة في الخارج، لم يرد حتى ذكرها خلال أسابيع الأحداث التي شهدتها سوريا. الرسالة هي أن واشنطن ضالعة في محاولة لزعزعة حكم الرئيس الأسد.

فتح مثل هذا الملف، طرح تساؤلات كثيرة في واشنطن حول المغزى من إثارته الآن. خاصة وأن المحطة الإعلامية التي حظت بالدعم، لم يكن لها دور وازن في الانتفاضة. اعتقاد بعض المحللين أن المقصود من نبش هذه المعلومة وتعميمها، ضرب عصفورين بحجر: جرّ إدارة أوباما نحو اتخاذ موقف حازم من دمشق، لاحقاً إذا لم يكن الآن، من نوع «على الرئيس المغادرة»، الذي سبق واتخذته تجاه النظام المصري السابق والنظام الليبي. الكشف عن أنها كانت على علم بهذا الدعم الذي استمرت به، من شأنه توسيع الهوة بينها وبين دمشق. هوّة حرص أوباما مؤخراً على تضييقها، من خلال تعيين سفير أميركي في سوريا وبالتحايل على رفض الكونغرس.

وثانياً، إن فضح هذه العملية، التي تندرج في خانة التآمر بصرف النظر عن مدى فعاليته؛ من شأنه أن يعطي للسلطة في سوريا ذخيرة إضافية للتعامل بالمزيد من التشدد مع الانتفاضة. الأمر الذي يمهّد السبيل، إذا ما تمادت دمشق في الحل الأمني، لرفع منسوب التحريض على النظام السوري وفتح مواجهة أميركية ودولية معه؛ تؤدي إلى المزيد من عزله ومحاصرته.

وسائل الإعلام الأميركية إجمالاً، وخاصة «واشنطن بوست»، تقوم بعملية مطاردة للنظام السوري. ترى أن اللحظة مواتية لتصفية حسابات قديمة. والمعروف أنها لعبت دوراً هاماً في تأليب إدارة أوباما حتى على أنظمة كانت صديقة لواشنطن، انتهت بعد تردّد إلى مطالبة رأس الحكم فيها «بالرحيل». هل تحبط دمشق مثل هذه المحاولات، من خلال مواصلة الإصلاحات، قبل أن تكبر مسألة العنف وتصبح المدخل لخبط الوضع السوري ببعضه؟