تطور الأوضاع في ليبيا بخلاف المتوقع، أعاد طرح الأسئلة والخيارات التي اعتقدت واشنطن أنها تجاوزتها بتسليمها زمام الأمور إلى حلف «الناتو». الحظر الجوي الليبي كشف عن قلّة جدواه. وثمة من يتحدث عن عدم جدواه في أحسن أحواله.
كتائب معمر القذافي استعادت المبادرة مرة أخرى وفرضت الهرولة على المقاومة، في ظلّ غياب «الناتو» وطائراته. وعندما ترجع هذه الأخيرة من غيابها، تخطئ في أهدافها. الأمر الذي فرض العودة إلى طرح البدائل على بساط البحث ولو أنها مازالت مستبعدة. وبحسب تقديرات محللين وعسكريين سابقين، لا فكاك من التصعيد، إذا كانت الإطاحة بالقذافي مازالت الهدف النهائي، وحتى إذا اقتصر هذا الأخير على حماية المعادلة القائمة. ولوحظ في الأيام الأخيرة انتقال دعاة هذا التوجه في واشنطن؛ من الهمس والتلميح إلى المجاهرة والتصريح، بضرورة رفع وتيرة الضغوط ضدّ النظام وقواته.
صورة كالحة
التقارير الميدانية الأخيرة، رسمت صورة كالحة عن الوضع واحتمالاته. كان الاعتقاد بأن الغطاء الجوي كفيل بتمكين المقاومة من الصمود في مناطقها، إن لم يكن من توسيعها. على الأقل يمكنه تعويض النقص في التدريب والتسليح والتنظيم، في صفوف المقاومة. لكن الحصيلة حتى الآن غير واعدة. نجاح قوات العقيد مرة أخرى، في ردّ الهجمات المضادة على أعقابها؛ بدّد إمكانية فرض التوازن على الأرض، ناهيك بقلب المعادلة. بل هو يهدّد من جديد باجتياح بنغازي.
احتمال كان سبق أن حذر منه مدير الاستخبارات القومية الأميركية. خيار الحظر، يقول المراقبون: كان ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار نتائج التجارب المشابهة، حيث كشف عن عجزه أكثر من مرة. المثال البارز كان في كوسوفو والبوسنة. يقول الباحث في «مجلس الشؤون الخارجية» ميكو زنكو:
«وحدة تصعيد الحملة الجوية ضدّ قوات بلغراد والبنى التحتية المدنية لصربيا، حمل الرئيس الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش على الاستسلام. نفس الشيء يحتاجه الوضع الليبي الآن، لكن المجتمع الدولي لا يبدو أنه في وارد الموافقة عليه». الأمر الذي يرمي الكرة من جديد، في ملعب واشنطن. الملف الليبي حجبته معركة الموازنة، طيلة الأسبوع الماضي.
صفيح ساخن
إدارة باراك أوباما، التي نجت من أزمة داخلية بشق الأنفاس، يعود إليها الآن هذا الملف على صفيح ساخن. تراجعات الأيام الأخيرة أوضحت أن الترتيب الجوي القائم عاجز عن وقف قوات القذافي، كما عن حماية المدنيين بالوجه المطلوب. المداولات تتقاطع عند خيارين: إما تكثيف القصف الجوي بحيث يتحوّل إلى حملة كاسحة وإما القيام بعمل ما على الأرض. إدارة أوباما، بحسب موقفها المعلن؛ ترفض الاثنين لكن الوقائع على الأرض ضاغطة وكذلك الأجواء في واشنطن. الحالة الراهنة تنذر بتداعيات ومضاعفات خطيرة والتحذير من عواقبها يتزايد، في «الكونغرس» كما في أوساط صانعي القرار. وأوباما يأخذ كل ذلك في الاعتبار عند صياغة موقفه. إدارته تقف الآن على عتبة اتخاذ خطوة نوعية أخرى.
