دخلت أحداث سوريا بسرعة وبقوة إلى دائرة الضوء الأميركية بالرغم من طغيان الموضوع الليبي على المشهد السياسي- الإعلامي في واشنطن. خصوصيات ساحتها والحسابات المتضاربة كما المتلاقية بشأنها، تجعل من الاهتمام بتطوراتها مسألة ذات أولوية خاصة وأن ما تشهده يأتي في امتداد عاصفة تكتسح المنطقة وتفتح أبوابها على المجهول. لم تفاجأ الأوساط الأميركية المتابعة للوضع السوري بالانفجار لكنها لم تكن تتوقع لحظته وسرعة انتشاره ولا استمراره وتصاعده بهذه الصورة. الردود المتوالية والمتزايدة تراوحت بين فتح النار على النظام السوري والمطالبة بمحاصرته وعزله وبين إبداء الحذر وخفض سقف الخطاب لحصر التعامل مع الوضع بالقنوات الدبلوماسية. وسائل الإعلام تولى بعضها الهجوم والتحريض على النظام السوري خاصة في صفحات الرأي التي نشرت افتتاحيات وتعليقات بهذه الوجهة. فتحت الدفاتر القديمة في ما يشبه بداية حملة تأليب ضاغطة على إدارة الرئيس باراك أوباما لتبدأ باتخاذ خطوات ضدّ دمشق. خطاب شبيه إلى حدّ بعيد بالذي أطلقه دعاة التدخل في ليبيا لكن لم يبلغ هذه الدرجة بعد. الإدارة كانت مقاربتها مختلفة حتى الآن. موقفها اتسم بالحذر والتريث. بقي في حدود التعبير عن «إدانة العنف» ومن دون حتى التلويح بإجراءات عملية. الناطق الرسمي لوزارة الخارجية مارك تونر قال في ردّه على سؤال لـ«البيان» إن واشنطن «تقوم الآن بمتابعة الوضع وليس لدي أي شيء لإضافته سواء بشأن فرض عقوبات أو غير ذلك». مدارة تنطوي على قدر من القلق والمخاوف من التداعيات الداخلية والإقليمية؛ القريبة والبعيدة المدى، والتوقيت زاد من المحاذير.
تركيز وليبيا
فالتركيز الآن موجّه نحو ليبيا وضبط التحالف وتعنيف الحملة الجوية ضدّ قوات العقيد معمر القذافي. والإدارة مشغولة أيضاً بمحاولة إزالة المخاوف من خطر التورط. الخشية، في تقديرات كثير من المرقبين والخبراء في شؤون المنطقة أن يكبر الجرح السوري وتتفاقم أزمته بحيث تصبح واشنطن أوباما أمام واحد من اثنين: إما التصعيد ضدّ دمشق ليس بالضرورة حظر جوي أو ما شابه وإما أن تتهم بالازدواجية وزيف مزاعمها حول دعم التوجهات الديمقراطية. الأول لا تريده الإدارة. منذ أسابيع قليلة أعاد الرئيس السفير الأميركي بعد خمسة اعوام من الغياب إلى دمشق ومن خلال مناورة مكنته من تجاوز اعتراض مجلس الشيوخ على هذه المبادرة. والثاني يضعها في موقف صعب يزيد من تآكل ما تبقى من صدقيتها في المنطقة.
نظرة وكفة
ينظر الأميركيون إلى سوريا الأسد من خلال أكثر من عدسة كلها تضع دمشق في خانة الخصم. لكن بعضها يجد ضرورة للتعامل مع هذا الخصم، لأنه يوفر حالة من الاستقرار المطلوب ولأن البدائل عنه غير مقبولة. وبعضها الآخر يرى العكس لأسباب عديدة على رأسها علاقتها بإيران. رجحان كفة هذا أو ذاك مرهون إلى حدّ بعيد بمسار التطورات في سوريا.