لا يمكن الحديث عن الموقف التركي من القضية الليبية الدائرة حاليا، دون الانطلاق من خلفية تاريخية واقتصادية واستراتيجية متشابكة.

صحيح أن العلاقات بين أنقرة وطرابلس مرت بأزمات عديدة منذ مطلع التسعينات، إلا أن من الصحيح أيضاً، الإشارة إلى ان العاصمتين نجحتا، على الدوام، في تجاوز تلك الأزمات، والارتقاء بمستوى العلاقات من جديد.

ومع أن السياسة الخارجية التركية تقوم أساسا على مبادئ الواقعية البراغماتية، القائمة بدورها على الموازنة بين حسابات الربح والخسارة، إلا أن الموقف التركي من تطورات الأحداث في ليبيا يستبطن أبعادا متشابكة أخرى. ففي الإطار التاريخي يبدو أن أنقرة لا تريد ان تنسى للزعيم الليبي معمر القذافي موقفه إلى جانبها أثناء التدخل العسكري التركي في قبرص في العام ‬1974، وهو الموقف الذي أثمر منذ منتصف السبعينات، وبرغم التقلبات السياسية التركية، علاقات عميقة ومتشابكة، شهدت تطورها الكبير في ظل حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وفي الإطار الاقتصادي تنامت العلاقات بين البلدين، حتى وصل حجم التبادل التجاري ‬10 مليارات دولار سنويا وباتت الأسواق الليبية مفتوحة للمنتجات التركية، مع وجود نحو ‬120 شركة تركية تعمل في ليبيا من خلال ‬160 مشروعا استثماريا دخلت حيز التنفيذ هناك، ووجود ‬207 عقود لشركات ليبية تركية مشتركة، حتى وصفت الشركات التركية بأنها العمود الفقري للمشاريع الليبية، ونحو ‬250 ألف عامل تركي، وهو أمر لا يمكن لأنقرة، التي تسعى إلى الانفتاح على العالم الخارجي، تجاهله.

وفي المستوى الاستراتيجي يبدو الموقف التركي منسجما مع أهمية تركيا في العالمين العربي والإسلامي وحلف الأطلسي والعلاقات مع الولايات المتحدة، فضلا عن العلاقة المتأزمة مع فرنسا، التي تزعمت الموقف الأوروبي ضد الزعيم الليبي.

تفهم أنقرة ان موقفها هذا قد يواجه التباسا لدى البعض في المشرق العربي، فبعد موقفها الواضح من الثورة المصرية، ودعوتها الرئيس المصري، حسني مبارك، صراحة إلى التنحي، وتذكيره بالمترين المكعبين اللذين ينحشر فيهما جسد الإنسان بعد موته، حرصت أنقرة على عدم بيان موقف واضح ضد القذافي.

وتعتقد أنقرة أن موقفها «الليبي» يجب أن يفهم في ضوء المعطيات السابقة، مقتنعة بقدر من الخسارة، في الشارع العربي، الناجمة عن عدم تأييدها للمعارضة الليبية، ومحتفظة لنفسها، في الوقت نفسه، بمرونة الحركة، كوسيط، في حال تطلب الأمر ذلك.

ومن هنا يمكن ان نفهم الفيتو التركي ضد مخطط لقيام حلف شمال الأطلسي بتدخل عسكري في ليبيا، ما جعل اجتماع الناتو في بروكسل، الأحد، ينتهي دون اتفاق، برغم مطالبة حلفاء تركيا في الناتو، الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، لتركيا بإعادة النظر في موقفها، ملوحين بأنها في حال رفض انضمامها إلى قوات التدخل فلن تستطيع الاطلاع على مستجدات العمليات العسكرية أولاً، ولن تكون، بعد انتهاء العمليات، صاحبة صوت مسموع بخصوص الأوضاع في ليبيا ثانيا.

ومن ذات المنطلقات المتشابكة، يمكن ان نفهم ايضا، مطالبة رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، التحالف بإنهاء الغارة الجوية في ليبيا ضد القوات الموالية لمعمر القذافي في أسرع وقت ممكن.