مع بدء المواجهة ضدّ نظام القذافي، على قاعدة قرار مجلس الأمن 1973؛ بدأت ترتسم في واشنطن علامات التخوف من ألا تسير العملية وفق المرسوم والمرغوب. حتى ولو أن موازين القوة العسكرية راجحة كفتها، وبما لا يقاس لغير صالح العقيد. فالحملة الجوية تستحضر بصورة تلقائية، كوابيس حروب العراق وأفغانستان. ولو أن الحيثيات والصيغة ومعطيات الساحة، كلها مختلفة. لكن للحرب محاذير ومخاطر ومفاجآت محتملة.
ما يخشاه الأميركيون، هو وقوع أحداث غير محسوبة؛ من نوع سقوط طيار في الأسر أو سقوط ضحايا بين المدنيين نتيجة عمليات القصف، فضلاً عن احتمال لجوء النظام إلى عمليات إرهابية في الخارج، وربما إلى الانتقام في الداخل من خلال توجيه ضربات ساحقة لمناطق سكنية وقفت ضدّه. لكن أكثر ما يقلق واشنطن، وبخاصة إدارة أوباما، أن تتحول الحملة إلى حرب استنزاف مديدة من الجو، على شاكلة الحظر الجوي العراقي الذي استمر 12 سنة. أو إلى نزول من الجو إلى الأرض لو فرضت التطورات ذلك. خاصة وأن المسالة أبعد من المعلن عنها. حماية المدنيين من آلة القذافي الحربية، عبر الحظر؛ عملية محكومة بملحقات، حسب كثير من الخبراء العسكريين.
تعطيل القوة الجوية الليبية، لا يضمن هذه الحماية لوحده. لا بدّ أن يتبعه ملاحقة القوة المدرعة الكبيرة، التي رفع العقيد من وتيرة استخدامها في زحفه على المدن الشرقية. وهذا أمر قد يطول. وربما استدعى مطاردة أرضية في آخر المطاف. المراهنة الأميركية، أن تحدث الضربات الجوية خلخلة عميقة في صفوف من تبقى حول العقيد، من قوى عسكرية وقبلية وسياسية؛ بحيث يتمّ عزله.
حصول شقوق داخلها، وبما يؤدي إلى انفضاضها من حوله، يكفل اختصار الطريق وتحاشي المحاذير. لتحقيق هذا الغرض، من المتوقع أن تلجأ قوات التحالف في الأيام القليلة المقبلة، إلى تعنيف الضربات الجوية، بحيث تؤدي إلى تدمير القسم الكبير من القدرات الحربية الليبية؛ وبالتالي إلى زرع الرعب، وتعميق القناعة لدى الأنصار والمقاتلين معه، بأن العقيد صار ورقة محروقة.
الرئيس أوباما، دخل هذه المواجهة بعد شهر من التردد والعزوف. الأسباب كانت كثيرة؛ عسكرية وسياسية. بالنهاية الحسابات السياسية حملته على الحسم. والزعيم الليبي ساهم في تأليب الوضع الدولي ضده. حتى موسكو وبكين تخلتا عنه. قرأ التذبذب الأميركي والغربي، على ما بدا، بأنه فرصة للانقضاض بكل ما لديه من قوة نارية على الانتفاضة. وربما كان هذا التذبذب فخ استدراج ولو غير مقصود، لحمله على التصعيد والانفلات. وعندما فعل توافرت الظروف لوقوف المجتمع الدولي ضده. تصعيده وتوعده للمناطق الشرقية، أعطى لورقة إنقاذ المدنيين مشروعيتها.
حرص البيت الأبيض على إعطاء أكثر من إشارة إلى أن العملية لا ترقى إلى مستوى الحرب. لكن بالنهاية هي مفتوحة. غرضها الأساسي، ليس سراً في واشنطن: خلع القذافي.
والشعار الآن في واشنطن، حتى في أوساط الذين حذروا من التدخل؛ أن الفشل في هذه المهمة ممنوع.