يمكن ارجاع محنة الرئيس المصري السابق حسني مبارك الى انتخابات مصر العام 2005 عندما اظهر جيش من المراقبين الذين ساعدهم عدد من الاصدقاء الاجانب ان الفوز الكاسح للرئيس كان عملا خادعا لنظام شمولي. وعندما انفجرت اعمال الاحتجاج والسخط في شتاء 2011 وتحولت الى عاصفة تنادي بالديمقراطية في كل من تونس و مصر ترك بلال دياب الناشط المعارض «مدرسة القادة الشبان» التي امضى فيها فترة امتدت لـ6 اشهر وابتعد عن معلميه القادمين من الخارج ووضع مهاراته الجديدة قيد الاستخدام بين خيم المحتجين في ساحة التحرير في القاهرة. وقال دياب، 23عاما، في وصف فائدة تدريبه الاميركي الصنع: «ساعدنا على تنظيم الثورة». واضاف: «كان الناس متفرقين، لكننا كنا قد تعلمنا كيف نجمعهم معا وفعلنا ذلك، وعندما فتحنا خيمتنا اعلنا عن تشكيل اتحاد شباب الثورة». وأدى هدير الثوار في الشوارع العربية الى اهتزاز قصور المستفيدين والمتنفعين والاطاحة بالرؤساء، الامر الذي تردد صداه في جميع انحاء العالم وسيطر على عناوين الصحف ونشرات الاخبار لأسابيع عدة.
قصة هادئة
ولكن وراء قصة هذا الاضطراب تكمن حكاية اخرى هي قصة اكثر هدوءاً لمنظمات خارجية قامت بمساعدة الولايات المتحدة واموال الآخرين بتدريب جيل عربي شاب حول طرق الفوز في عالم السياسة. ويركز جميع المنخرطين في هذه الحكاية على ان ما حدث ناجم عن ظلم متجذر في العالم العربي وليس من وحي الهام خارجي. لكنهم يقولون ان بناء الثقة هو عمل مدربين قادتهم الولايات المتحدة واطراف اوروبية كان بمثابة الدافع او المحفز لما حدث. لكن ذلك النجاح ينطوي على تناقض في الوقت نفسه، فكيف تقوم الولايات المتحدة التي لطالما وقفت إلى جانب القادة العرب ومبارك تحديدا بتمويل برامج أسهمت في نهاية المطاف في سقوط آخرين؟. يرى البعض ان هذا هو عمل الدهاء الأميركي الذي يغطي العديد من الرهانات السياسية في مصر وغيرها من الاماكن الاخرى ولكن آخرين يرون ان اميركا كبيرة جدا ومعقدة بشكل يحول دون تمكينها من الظهور بالمظهر المتناغم بهذه الصورة.
ويقول رئيس قسم الشرق الاوسط في المعهد القومي الديمقراطي للقضايا الدولية في الولايات المتحدة ليس كامبل الشيء الجميل في نظام الولايات المتحدة انه «يوجد العديد من المداخل الى مراكز السلطة وهذه المداخل يمكن ان تمثل سياسات متناقضة». وهذا المركز المرتبط بالحزب الديمقراطي والمعهد الجمهوري الدولي التابع للحزب الجمهوري يرتبطان بموقع تغذية «المساعدة الديموقراطية» وهي اقنية اساسية تهدف الى تقديم منح من «وكالة التنمية الدولية» التابعة لوزارة الخارجية و«منظمة المنح القومية من اجل الديمقراطية» وهي منظمة خاصة يقوم بتمويلها «الكونغرس» الاميركي. وتقدم المنح القومية مئة مليون دولار سنويا وتصل الى اكثر من 90 بلدا في العالم.
ولكن منح «وكالة التنمية الديمقراطية» وهي من ميزانية اجمالية تبلغ 800 مليون دولار من اجل تطوير ما يعرف «التنافس السياسي» و«المجتمع المدني» في 67 بلدا اثبتت حيويتها للناشطين في حوالي 6 دول عربية من المغرب الى اليمن. وتم تحديد 104 مليون دولار لهذه الدول في ميزانية 2011 المقترحة. ومن المقرر ان تزداد المساعدة لمصر في مرحلة ما بعد مبارك.
مضاعفة تمويل
ومن ضمن 150 مليون دولار اعلنتها واشنطن على شكل «تمويل انتقالي» سيخصص 50 مليون دولار للديمقراطية وبرامج الحكم كالتي مولت المئات من ناشطي الديمقراطية الصاعدين في مصر، بحسب ما علمت وكالة «اسوشييتد برس»، الامر الذي سيؤدي الى مضاعفة تمويل 2011 ثلاث مرات عن ما كان مقررا في السابق. وقال عبدالله حلمي 34 عاما وهو مشارك في انشاء حزب «الاصلاح والتنمية» المصري المنشق وهو احد الذين استفادوا في السنوات الاخيرة من «مئات ومئات الساعات» من التدريب المدعوم من الولايات المتحدة في كل شيء بدءا من ادارة الحملات والانتخابات وصولا الى استخدام «تويتير» و«فيس بوك» ووسائل الاعلام الاجتماعية التي تهدف الى بعث رسالة سياسية معلقا: «نحن بحاجة الى المزيد من الدعم وبسرعة».
وتشير التقديرات الى ان اكثر من عشرة آلاف مصري شاركوا في برامج مولتها واشنطن من اجل الديمقراطية وبرامج الحكم الجيد منذ العام 2005 والتي قام بها «المعهد الدولي الديمقراطي للقضايا الدولية» و«المعهد الدولي الجمهوري» اضافة الى 28 منظمة دولية و مصرية اخرى. ولم تقتصر فقط على التدريب السياسي وانما مشاريع لاعداد القضاة و بناء المجتمع المدني.
رسائل مشفرة
وترجع حملة الترويج للديمقراطية الى ثمانينات القرن الماضي عندما كانت «حركة بولاند للتضامن» احد المستفيدين. ولكن بالنسبة لمصر كان العام 2005 هي عام الفصل عندما افتتح المعهد القومي الديمقراطي مكتبا له في القاهرة وتمكن من خلال الجماعات المصرية من تدريب 5500 مراقب للانتخابات لمراقبة استفتاء يمنح مبارك فترة رئاسي خامسة مدتها ست سنوات. ومن خلال اماكن الاستطلاع في مصر في شهر سبتمبر، قامت فرق دفع لها المعهد القومي بالابلاغ عن اي انتهاكات للانتخابات عن طريق رسائل نصية مشفرة مبتكرة يتم تفكيك تشفيرها من قبل اجهزة كمبيوتر موجودة في المقرات الرئيسة. وجاء التقرير انيا ومفاده: «ثمة تلاعب على نطاق واسع في الاستطلاعات». و كانت النتيجة 23٪ الامر الذي بدد اسطورة 90٪ التي حققها مبارك صاحب الشعبية.
وقال كامبل: «كان تأثير ذلك يظهر ان الامبراطور عار والمصريون يمكنهم ان يصنعوا الفرق ويمكنهم التغيير». وكانت ردة فعل الحكومة تقضي بالتشديد على عمليات المعهد القومي والمعهد الدولي الجمهوري في القاهرة واصدار اوامر الى الفنادق التي تستضيف اعمالهما بالغاء دروس التدريب ووضع رجال الامن عند مكاتب المعهدين.
ولكن مبارك لم يتمكن من يكون اكثر صلابة على الأميركيين المانحين لـ1,5 مليار دولار سنويا مساعدات عسكرية واقتصادية. ولذلك فقد استمر المروجون للديمقراطية عملهم وغالبا عن طريق ارسال اشخاص يخضعون للحماية الى الدروس.
ويعتبر باسم سمير مثالا على ذلك ففي العام 5002 سافر هذا الناشط في الاكاديمية المصرية للديمقراطية الى كل من واشنطن وهنغاريا ودبي واماكن اخرى ليتعلم ويتثقف حول طرق التنظيم السياسي واستخدامات الاعلام الحديث وحملات التظاهر والاحتجاج وغير ذلك من المهارات. وفي حلقة دراسية استمرت اسبوعين تم تنظيمها من جانب «فريدوم هاوس» احدى الجهات المانحة للمساعدات التابعة للوكالة الاميركية للمساعدات بذل سمير جهدا مكثفا للتعلم حول وسائل وتقنيات الاعلام الاجتماعي بما في ذلك قيامه بزيارة مكاتب شركة «غوغل» والاستماع الى وسائل الاعلام الحديثة ومشاهدتها والاستماع الى خبير متخصص في حملة باراك اوباما لانتخابات الرئاسة في 2008. وحققت مشاركة سمير في فعاليات هذه الحلقة، فائدة كبيرة اذ اسهمت في تقديم النصيحة عن بعد للمتظاهرين المصريين الذين كانوا يسعون لمجابهة الهجوم القمعي للحكومة لاحتواء الاضرار الناجمة عن اقدامها على قطع خدمات الاتصالات والانترنت.
حدود ومراقبة
كما شارك سمير، وهو احد المدونين على الانترنيت، في مؤتمر عقده المعهد القومي الديمقراطي للقضايا الدولية في المغرب العام الماضي بينما عمل المعهد في الوقت ذاته على تدشين موقع الكتروني متنقل يسمى «أصوات» لتجميع المشاركات والتعليقات والمساهمات من مختلف ارجاء العالم العربي حيث قدم قسما منها مدونون قام المعهد بتدريبهم. وفي الوقت الذي كانت تزداد فيه شبكة التواصل الاجتماعي انتشارا واتساعا يتجاوز حدود كل دولة عربية تحت مظلة ورعاية اميركية. وقال الكاتب عريب الرنتاوي الناشط الاردني المدعوم من المعهد القومي الديمقراطي للقضايا الدولية لوكالة «اسوشيتدبرس» انه طار الى اليمن مرتين لتقديم المشورة لزملائه هناك حول قضايا صياغة السياسات.
وبدعم من المعهد ايضا يقوم الرنتاوي، ومن خلال مركز القدس للدراسات السياسية بمراقبة سير عمل البرلمان الاردني من خلال تقارير يضعها على الانترنت ليكون بذلك أول آلية لمراقبة مؤسسة لا تعكس بنيتها تمثيلا شعبيا حقيقيا وانما هي قائمة على نظام انتخابي تم وضعه لدعم الطبيعة الملكية في الاردن. وتخرج جموع المتظاهرين الي شوارع العاصمة الاردنية عمان اسبوعيا مطالبة باعادة النظر في انظمة وقوانين انتخابات.
ومن جانبه قال مدير المركز الوطني لحقوق الانسان محيي الدين طوق الذي يقود ائتلافا من 50 جماعة شاركت في مراقبة الانتخابات البرلمانية الاردنية التي جرت العام الماضي: «لقد قدمت لنا تلك الجماعات مساعدة كبيرة للغاية فلم يكن ايجاد اطراف محلية لمساعدتنا بالمهمة اليسيرة»، مشيرا الى ان مراقبة الانتخابات كلفت 250 ألف دولار دفعتها الوكالة لاميركية للتنمية.
