يستعد التونسيون للاحتفال بالذكرى الخامسة و الخمسين للاستقلال التي توافق 02 مارس الجاري، في الوقت الذي يتم فيه مسح كل بقايا 7 نوفمبر 1978من الشوارع والساحات و الميادين و المؤسسات التي اطلق عليها الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي اسم اليوم الذي تولى فيه حكم البلاد بعد انقلاب ابيض على سلفه الحبيب بورقيبة، وقد بدا تاريخ14يناير 2011 في احتلال الصدارة ماسحا كل ما اعتقد بن علي انه سيؤرخ لعهـده الذي استمر 32 عامــا و شهريــن و7 ايـــام.
وفي تونس العاصمة تحول شارع 7 نوفمبر الى شارع محمد البوعزيزي مفجر الشرارة الاولى للثورة ، وتغير اسم ساحة 7 نوفمبر الى ساحة14 يناير ولكن وحده شارع الحبيب بورقيبة بقي شاهدا على الاحداث دون ان ينجح احد في المساس باسمه و شهدت المدن الداخلية مسح الاسماء المتصلة بالعهد السابق مثل العهد الجديد و السابع من نوفمبر و التحول و التغيير من على الشوارع والساحات والمؤسسات الحكومية لتترك مكانها لاسماء جاءت مع الثورة مثل 14 يناير ومحمد البوعزيزي وبقية الشهداء الذين سقطوا برصاص الامن قبل انهيار النظام السابق.
واصبح لكلمة الثورة حضورها البارز في تونس بعد ان كانت ملغاة من القاموس السياسي الرسمي ومن الخطاب الاعلامي ، بعد ان كانت البلاد تحتفل كل يوم 18 يناير من كل عام بعيد الثورة التي اندلعت العام 1952 ضد الاحتلال الفرنسي ، و لكن وبعد تولي بن علي الحكم الغى العيد و الذكرى كما الغى عيد النصر الذي كان يوافق غرة يونيه ، وازال التماثيل و النصب التذكارية التي كانت تخلد تاريخ الحقبة البورقيبية.
و اليوم تفعل الثورة ببن علي وعهده ما سبق له ان فعله ببورقيبة وعهده، واحتل اسم البوعزيزي البائع المتجول في احياء سيدي بوزيد مكان الجنرال زين العابدين بن علي ، وسيتحول تاريخ 14يناير الى عيد في تونس عوضا عن 7 نوفمبر الذي حاول النظام السابق ان يجعل منه عيد الاعياد و اهم من عيد الاستقلال الموافق ل02 مارس من كل عام و ستشهد الايام القادمة الغاء كل المناسبات التي حاول بن علي تكريسها مثل يوم التضامن الوطني و يوم اللباس التقليدي وعيد الطفل ، كما سيبدأ البنك المركزي في طبع اوراق نقدية جديدة تخلو من ذكر 7 نوفمبر ومن رموزه وشعاراته، في حين تحاول الثورة فرض رموزها وشعاراتها و شهدائها على واجهـات تونس العمرانيـة والثقافيـة والحضاريــة.
ان المحتجين الذين أنهوا نظام بن علي هم المتعلمون من أبناء وبنات الطبقة المتوسطة العلمانية العريضة التي نشأت على مر عقود من الزمان بفضل جهود الحبيب بورقيبة.
فقبل سنوات حكم بورقيبة، وحتى قبل الاستعمار الفرنسي في عام 1881، كان هناك خط من الزعماء القوميين يمتد إلى أواخر القرن الثامن عشر يتطلع إلى أوروبا والتنوير باعتبارهما الحل لمشاكل البلاد.
ولقد صيغت الهوية التونسية في بوتقة هذا التاريخ على وجه التحديد. ، حيث لا تتمتع أي دولة عربية أخرى بمثل هذه الطبقة المتوسطة القوية أو تقاليد الحكومة العلمانية الحديثة كتلك في تونس.
فالثورة في أي من هذه البلدان قد ترفع الإسلاميين ببساطة إلى السلطة، ولكن هذا لا يتصل من قريب أو بعيد بانتفاضة تونس العلمانية.