اللحظة الراهنة هي لحظة تحليل الثورات والانتفاضات التي تشهدها العواصم العربية، فالباحثون والمحللون منذ اندلاع هذه الثورات عكفوا على شرحها وتحليلها وبيان أسباب نشوبها في هذا التوقيت بعد عقود طويلة من الصمت. ويقول المفكر السياسي السيد ياسين خلال ندوة عقدها «مركز الاهرام» حضرها مفكرون قدموا أبعادا ورؤى جديدة عن ثورة 25 يناير في مصر ان الثورة ضمت في حقيقتها ثلاث ثورات سياسية. واردف انها «تمثلت في محاولة الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية وثورة قيمية تعني الانتقال من القيم المادية إلى ما بعد المادية، حيث التركيز على الكرامة الإنسانية وقيم التسامح والتعامل مع البشر»، في إشارة إلى أن أغلبية من بدؤوا الثورة كانوا من الطبقتين الوسطى والعليا. أما الثورة الثالثة، والكلام لياسين، «فهي ثورة معرفية تعني الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، حيث جاءت الثورة بلا قيادة أو أيديولوجية»، مضيفا إن «هذا الجيل لا يؤمن بالأيدلوجيات الصامتة وضد السلطة السياسية المتحكمة كالدكتاتور أو الفرعون وضد السلطة الأبوية المتفردة لذلك عندما ضاقت بهم السبل هاجروا من المجتمع الواقعي إلى فضاء المعلومات، فأصبح الشاب من خلال المدونة على سبيل المثال هو رئيس تحرير حر يعبر عن نفسه كما يشاء».
تأثر بمثل
ويذكر ياسين، الذي يعمل مستشارا لـ«مركز الدراسات السياسية بالأهرام» إن شباب ثورة 25 يناير «شباب الفيس بوك» على حد وصفه «تأثر بجيفارا القرن الحادي والعشرين جون شارب وهو أكبر منظم في العالم حاليا للعصيان المدني والصراع السلمي ويعمل في معهد ألبرت أينشتاين وله تاريخه الحافل».
ويضيف: «لقد ألّف كتابا بمثابة خارطة طريق لهذه الثورات جميعا يسمى من الدكتاتورية إلى الديمقراطية تم ترجمته إلى 30 لغة ومنها صيغة باللغة العربية وله علاقات مع ثوار في بلاد تخضع للشمولية حيث يعتبروا تعاليمه هي التعاليم الأساسية». ويوضح ياسين أن «فكر جون شارب كان بمثابة لحظة استلهام نظري للشباب جاء قبل لحظة التحضير والتخطيط»، معربا عن «دهشته عندما اكتشف أن هؤلاء الشباب كانت لديهم خطة مكتوبة قبل يوم 25 يناير تتضمن المطالب وكيفية القيام بالثورة وأيضا عندما قرأ في مقال لمراسل صحيفة نيويورك تايمز من القاهرة أن الشباب أرسلوا مندوبين لهم إلى روسيا لدراسة كيف تحولت هذه البلاد من الشيوعية إلى الديمقراطية».
وأشار مستشار «مركز الدراسات السياسية بالأهرام» إلى ما سماه «القطيعة التاريخية»، مفسرا أنها «مفهوم يستخدم للإشارة إلى تاريخ فاصل بين عصرين أو بين نظامين سياسيين، وأكثر قطيعة تاريخية هي الانتقال من نموذج المجتمع الصناعي إلى نموذج مجتمع المعلومات العالمي الذي يعد أكبر تحول في تاريخ الإنسانية،حيث فضاء جديد ظهر فيه الفيس بوك والمدونات والتويتر».
ويردف انه «فضاء تتفاعل فيه إنسانيا بالكامل بغض النظر عن اختلاف الثقافات والتوجهات، فقد دخلنا في عالم الفيس بوك والتويتر الوسيط الذي تفاعل من خلاله شباب مصر وتونس تفاعلا لا حدود له، ونتيجة لهذا على الباحث أن يسأل نفسه في أي زمن نعيش؟».
ويضيف أن «ثورة 25 يناير، وقبلها ثورة تونس، هي التي استطاعت أن تجعل الزمن العربي مطابقا للزمن العالمي لأول مرة من خلال محاولتها الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية وتبني إيقاع الزمن العالمي المتسارع».
ثلاثة مصطلحات
بدوره، يشير استاذ علم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة عين شمس د. علي ليلة إلى «ضرورة معرفة الفرق بين ثلاثة مصطلحات قيلت منذ قيام الثورة وهي الحدث، الحركة، الانتفاضة»، قائلا: «المصطلحات الثلاثة يستوعبها البناء الاجتماعي لكنها لا تغيره بينما الثورة هي الحدث الوحيد الذي يغير البناء الاجتماعي ويؤسس محله بناء جديدا». ولدى سؤاله عن «مدى استطاعة هذه الثورة على تصور فرضيات نظرية تفسر أحداثها مما يجعلها تختلف عن معالجة التراث الإنساني للثورات»، وضع د. ليلة مجموعة من الأفكار وهي أن «الثورات بها منطقة رمادية ما بين فترة الانتقال من مرحلة إلى أخرى حيث طالت الثورة الفرنسية لمدة سبعة اعوام حتى استقرت بصورة أساسية»، مشيرا إلى أن «سلمية الثورة أدت إلى انهيار أخلاق ما قبل الثورة لتأتي أخلاق جديدة قائمة على التسامح».
ويتابع أن «الثورات التقليدية عادة ما تقودها أيدلوجيات سواء ليبرالية أو ماركسية تعبر عن مصالح معينة، بينما في ميدان التحرير كان هناك مجتمع يتكامل ليبدأ معه أيدلوجية كاملة من خلال مطالب ومضامين وتغييرات. فاكتمال بنية القيادة بدأت بالشباب ثم وجدنا أحزابا وحكماء وغيرهم وأصبحت في النهاية لها أيدلوجياتها وقيادتها تعبر عن رفضها وما الذي تريده في المستقبل، هذا إلى جانب أن كل الثورات سبقتها فلسفات تمهد لها، بينما ثورة 25 يناير هي الثورة الوحيدة التي ستظهر فلسفاتها بعدها».
