لم تظهر في الأفق حتى الآن أية معالم من ان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة ينوي قيادة ثورة على نفسه او امكانية القيام بالتغيير وان من خلال «طبخة» يعدها النظام نفسه.
فكل الإجراءات التي اتخذت مؤخرا لتهدئة الوضع وتجفيف منابع الغضب الاجتماعي قدمت على أنها اجتهاد من بوتفليقة نفسه ولا احد غيره. لكن في قاعات التحرير وفي مقار التنظيمات السياسية يجري الحديث عن أمور ستحدث قريبا.. ربما في شكل «إعلان مبادئ» من بوتفليقة بتجاوز مرحلة شراء هدوء الشارع الى التزام قوي بتغيير آليات ممارسة الحكم وتحديد أجندة لذلك دون الحاجة إلى العصا والعصيان مثلما توقع قياديون في حركة «مجتمع السلم» الشريك في الحكومة، أو بخطاب تنح مفاجئ مشابه للذي ألقاه سابقه اليمين زروال خريف العام 1998 حين أعلن عن تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة وعدم الترشح لها فظل مثالا للزهد والترفع عن مغريات السلطة، أو إعلان «تقاعد» من المنصب يلجم الناس على إسماعه المطلب الشهير «الشعب يريد إسقاط النظام». ومهما كانت الصيغة التي يطرح بها الأمر، فإن نسبة عالية من السياسيين والإعلاميين وحتى من العامة تتوقع ان لا يكمل بوتفليقة فترته الانتخابية ووقوع مايشبه الثورة البيضاء. وقد رجحت قوى كثيرة فرضية التغيير المرتب لتفادي لي الذراع وهو مخرج يريح النظام والشعب. فإيجاد تسوية بلا عنف أمر محمود لان الجزائر لا تشبه بأية حال من الأحوال البلدان الأخرى التي تكفل الشارع بإحداث التغيير بها أو تلك التي ستلحق.
الجزائر اكبر بلد عربي وإفريقي ومتوسطي مساحة وهو الثاني عربيا بمقياس عدد السكان لكن إذا كان بوتفليقة قرر الرحيل مبكرا، فإنه بالتأكيد استمع لنصائح غير التي دفعته إلى تغيير الدستور بغرض البقاء في السلطة، أي انه تحرر من قبضة المنتفعين الذين صوروا له أن الجزائريين تعلقوا به أكثر مما تعلقوا بدستور صادقوا عليه في استفتاء عام وان رحيله سيقطع مسار التنمية والسلم ويعيد الجزائر الى سكة الحرب والكساد. وبالفعل، رفع سياسيون عديدون نصائح للرئيس الجزائري بالتخلي طوعا عن الحكم حتى يبقى رمزا جميلا ويسمح بدخول البلاد عصر التداول على السلطة فعلا. وعرض عليه أخيراً عقد مؤتمر وطني جامع للقوى السياسية في السلطة والمعارضة لتحضير مرحلة جديدة تعيد النظر في النظام السياسي برمته من خلال انتخابات رئاسية مسبقة وبرلمان ودستور جديدين بما يقدم للشعب دليلا على التغيير دون الحاجة الى العنف. فالعديد من الناس لا يصدقون الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الحالية وربما كانت هذه العوامل مجتمعة الدافع المحرك للتفكير في «الثورة البيضاء».