يجد رئيس الحكومة التونسية الجديد الباجي قائد السبسي نفسه امام تحديات كبيرة ، من اهم علاماتها مشكلة السن حيث يبلغ من العمر 85 عاما في حين ان ثورة الياسمين تحمل بصمة وروح الشباب ،ومشكلة المناطقية اذ انه و الرئيس المؤقت ينتميان الى العاصمة في حين ان الثورة انطلقت من مناطق الداخل، وقد تميزت تونس بعد الاستقلال بسيطرة الساحل على الحكم واحتكار حاضرة تونس الثقافة المرتبطة في بنائها الهيكلي و الفكري بالنموذج الفرنسي.
و الباجي قائد السبسي رجل عمل في عهدي بورقيبة و بن علي و هما عهدان اضطهدا اغلب من يسعون حاليا لقيادة الرأي العام التونسي و يخوضون الصراع على السلطة كالاسلاميين والقوميين و اليسار الراديكالي، اضافة الى ان من اجبروا محمد الغنوشي على الاستقالة رفعوا اليوم من سقف طلباتهم و دعوا الى حلّ الحكومة المؤقتة بأسرها و اعادة تشكيلها على اسس مختلفة ومنها تمثيل جميع الوان الطيف السياسي في البلاد.
لاول مرة في تاريخ تونس الحديث ، يجد ابناء منطقة الساحل انفسهم خارج رئاسة الجمهورية والوزارة الأولى في وقت واحد، ففي عهد الرئيس الحبيب بورقيبة ابن مدينة المنستير الساحلية كان كل الوزراء الاول: أحمد بن صالح والباهي الادغم والهادي نويرة ومحمد مزالي ورشيد صفر من محافظات الساحل، ولما وصل الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي المنحدر من مدينة حمام سوسة الساحلية كذلك اختار للوزارة الاولى وجوها من ابناء منطقته هم على التوالي الهادي البكوش وحامد القروي. فمحمد الغنوشي الذي تولى رئاسة حكومة الوحدة الوطنية فالحكومة الانتقالية المؤقتة قبل ان تفرض عليه اعتصامات ومظاهرات معارضيه الاستقالة الاحد.
وتعود جذور جزء هام من سكان الحاضرة تونس الأصليون إلى اصول تركية و ألبانية و قوقازية، حيث وصلوا البلاد في العهد العثماني عندما كانت تونس واحدة من ولايات الدولة العثمانية. ومن بين اسرهم اسرة المبزع، واسرة قائد السبسي، التي عرفت بهذا الاسم بعد ان كان جدها الاكبر في تونس مكلفا بإعداد «السبسي» لباي (ملك) البلاد. والسبسي هو السيجارة التقليدية التي تتكون من التبغ الطبيعي ويتم لفها بورق خاص، وقد حملت اسر تونسية كثيرة اسماء الحرف التي كان يحترفها اجدادها في عهد المملكة الحسينية ومنها القاب الخزنة دار و صاحب الطابع وخوجة الخيل وباش شاوش وباش حامبة.
ولد الباجي قائد السبسي يوم 26 نوفمبر 1926. ونشأ في كنف عائلة قريبة من ملوك تونس الحسينيين، ودرس في كلية الحقوق في باريس والتي تخرج منها العام 1950، ليعمل محاميا ابتداء من العام 1952 الذي شهد اندلاع ثورة التحرر من براثن الاستعمار الفرنسي. و سياسيا، انتمى منذ شبابه إلى صفوف الحزب الحر الدستوري الجديد الذي كان يتزعمه الحبيب بورقيبة (1903 - 2000).
وفي العام 1965 عين رئيس الدولة انذاك الحبيب بورقيبة الباجي قائد السبسي وزيرا للداخلية بعد وفاة سلفه الطيب المهيري، وساند من منصبه التجربة الاشتراكية التي قادها الوزير احمد بن صالح، ثم تولى حقيبة الدفاع في 7 نوفمبر1969 وبقي في هذا المنصب الى 12 يوليو 1970تاريخ تعيينه سفيرا لتونس في باريس.
في العام 1971 بادر بتجميد نشاطه السياسي في الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم آنذاك على خلفية تأييده إصلاح النظام السياسي وعام 1974 تمّ طرده من الحزب لينضم للمجموعة التي ستشكل عام 1978 حركة الديمقراطيين الاشتراكيين بزعامة احمد المستيري.
بعد استبعاد الحبيب بورقيبة عن الحكم في 7 نوفمبر 1987 وتولّي زين العابدين بن علي الحكم جرى انتخاب قائد السبسي نائبا في مجلس النواب ثم تولى رئاسته العامين 1990 و1991 ليقوم بعد ذلك بتسوية وضعه التقاعدي من العمل السياسي والحكومي بهدف التفرغ للمحاماة التي يعتبرها هواية مقربة لنفسه.