طرحت تطورات الحركة الاحتجاجية في ليبيا، نوعاً آخر من التحدّي بالنسبة لواشنطن. في الساحات التي سبقت، كانت إمكانية التأثير الأميركي متوفرة بدرجة أو بأخرى، في مجرى الأمور. أو على الأقل فرصة التواصل مع الساحة المعنية، كانت متاحة. طبيعة الأوضاع في هذه الأخيرة، أو طبيعة العلاقات معها؛ سمحت بذلك. لكن هذه العناصر مفقودة إلى حدّ بعيد، في الحالة الليبية. لذلك تعاملت واشنطن مع الحدث، بصورة مختلفة.
بدا ذلك في مسارعتها إلى تحريك مجلس الأمن، لتشكيل لجنة تحقيق؛ كخطوة أولى. لكن المجلس اكتفى ببيان ولو شديد اللهجة. وقد أثار الاهتمام أن نائب رئيس البعثة الليبية في الأمم المتحدة، تمنّى لو أن اللهجة أشد؛ فيما غاب السفير عن الأنظار بعد الجلسة. الإدارة توسلت هذا المدخل كورقة ضغط غير مباشر وكمدخل إلى الأزمة.
مصادر الخارجية الأميركية تشدّد على أن خيار الإدارة الآن هو في «العمل مع المجتمع الدولي». وتضيف انها لا تقوى على أكثر من ذلك، لعدم وجود أوراق أخرى بيدها. ثم أن لديها خشية على سلامة الرعايا الأميركيين، المتواجدين في ليبيا؛ وغالبيتهم في القطاع النفطي.
وظهر التحفظ هذا في رد الوزيرة كلينتون على الأسئلة بهذا الخصوص؛ خلال دردشة مع الصحافيين، على هامش لقائها مع وزير خارجية لاتفيا، أمس في واشنطن. وواصلت الإدارة تخفيف نبرة خطابها، رغم الضغوط من الكونغرس لاتخاذ مواقف حازمة، من نوع الدعوة إلى رحيل القيادة الليبية؛ على حدّ ما ورد على لسان أعضاء في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، مثل السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وزاد من القلق الأميركي، ما بدأت التطورات تتركه من مضاعفات على أسعار النفط، التي يرجح الخبراء أن تشهد المزيد من الارتفاع، إذا ما بقيت الأزمة الليبية مفتوحة إلى حين.
في مقابل خفوت صوت الإدارة وتردّدها، تضج وسائل الإعلام بالخبر الليبي. التغطية شبيهة بتلك التي خصصتها وسائل الإعلام للانتفاضة المصرية، بالرغم من شحّ المعلومات، المشوشة في كل حال. وفي مثل هذه الحال تسود الشائعات والروايات غير المؤكدة عن «مرتزقة» في ليبيا يعملون كقوات أمن؛ كما عن قصف جوي للمتظاهرين، فضلاً عن الطائرات المقاتلة التي هربت إلى مالطا وعدد الضحايا الذين سقطوا الذين يتردد أن عددهم تجاوز الـ 200. فيما تركزت الأضواء على الدبلوماسيين الليبيين في عدد من العواصم، سبعة حتى الآن، الذين أعلنوا انسلاخهم عن النظام. وبشكل خاص على السفير الليبي في واشنطن الذي ظهر في أكثر من برنامج ومقابلة ليتحدث عن اعتراضه على ما جرى وتبرؤه من الوضع القائم. وكانت تسربت أخبار عن طلبه اللجوء السياسي إلى الولايات المتحدة. لكن الخارجية الأميركية نفت الخبر.
والاعتقاد السائد في واشنطن أن الوضع الليبي سائر باتجاه المزيد من التصعيد المكلف، ما لم يقو المجتمع الدولي على التدخل لإيجاد مخرج لوضع بات محكوماً بالانسداد النازف.