الفيتو الذي استخدمته واشنطن في مجلس الأمن ضد مشروع قرار يدين المستوطنات الإسرائيلية باعتبارها «غير شرعية»؛ اسقط ورقة التين عن إدارة الرئيس باراك أوباما وكشف رضوخها السافر لإسرائيل ولمفاتيحها في واشنطن وبصورة فاضحة. كما كشف هشاشة خطاب اوباما ووعوده بالسلام والتغيير والانفتاح على قضايا الحرية وحقوق الشعوب.
مع هذه الخطوة، تبيّن أن الحسابات السياسية الضيقة تتقدّم على المقاربات الكبيرة التي سبق له أن طرحها وأعلن عن التزامه بها. مشروع القرار، ليس فيه أي إلزام ولا ينصّ على أية عقوبات أو مقاطعة أو كلفة، ضدّ إسرائيل. كل ما في الأمر أنه يؤكد، بصيغة موقف من أعلى سلطة دولية، ما هو متداول ومعلن. إن واشنطن التي استعملت سيف الفيتو هذا، هي نفسها تقول أن المستوطنات غير شرعية، ولو أنها اعتمدت صيغة ملتوية للتعبير عن ذلك. وكانت وزارة الخارجية الأميركية لديها مطالعة، منذ الثمانينات بهذا المعنى ومع ذلك توسلت الإدارة كل أشكال الضغوط في البداية لسدّ الطريق أمام المشروع ومنعه من الوصول إلى المجلس لكن عندما وصل لجأت إلى العمل على تأجيل بحثه، ثم تأجيل التصويت بشأنه؛ بزعم الانتظار إلى ما بعد اجتماع «الرباعية» مطلع الشهر الجاري في نيويورك. ومنذ ذلك الحين وهي تطالب الجانب الفلسطيني تارة «بسحبه» وتارة «بتلطيف» ديباجته بحيث «لا يحتوي على عبارة غير شرعية»، بحسب ما ذكر مصدر دبلوماسي مقرب من المحادثات التي أجراها كبير المفاوضين الفلسطينيين قبل استقالته خلال زيارتين قام بهما لواشنطن مؤخراً.
مساعدات وذرائع
ومن جهة أخرى، ذكرت معلومات أن الإدارة لوّحت في الأيام الأخيرة بموضوع المساعدات إذا أصرّت السلطة الفلسطينية على المضي بالمشروع نحو التصويت. وكان تردّد أن الإدارة عرضت،في اللحظة الأخيرة بدائل مثل الاكتفاء ببيان من المجلس يعلن عن «عدم قبوله بشرعية المستوطنات». المهم أن لا خرج شيء من هذا النوع عن مجلس الأمن. فاوباما تبلّغ رسالة الأسبوع الماضي من أنصار إسرائيل في «الكونغرس» تحضه على استخدام الفيتو ضد المشروع وهكذا كان ودائماً بالذرائع نفسها أن المجلس ليس المنبر المناسب وتدخله لا يساعد ولا ينبغي العودة إليه كلما نشأت عقبة أمام المفاوضات، على حدّ تعبير السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة. الرسالة واضحة: ممنوع تعاطي مجلس الأمن مع إسرائيل كائن ما كانت الدواعي ومهما كانت الذرائع الأميركية واهية. موقف الإدارة اليتيم في المجلس، فاضح بحيثياته وبتوقيته فالأولى مفلّسة والتوقيت زاد من انكشاف البيت الأبيض لأن الفيتو الذي نسف صدور قرار يدين سرقة حقوق الفلسطينيين، أتى في ذات اللحظة التي تزعم فيها الإدارة بأنها حريصة على دعم شعوب المنطقة في المطالبة بحقوقها وحرياتها. ازدواجية فاقعة. صحيح أنها ليست جديدة، لكن هذه المرة هزلت كما لم يحصل من قبل.