عانى كثير من القطاعات التجارية والاقتصادية نتيجة الظروف الاستثنائية التي عاشتها مصر منذ بداية التظاهرات والاعتصامات التي بدأت في الخامس والعشرين من يناير وحتى تنحي الرئيس المصري حسني مبارك، إلا أن أكثر القطاعات تضرراً كان قطاع البائعين المتجولين، خاصة ان بعض الفئات من التجار ظلت تعمل خلال ساعات حظر التجول في الأحياء رغم قلة المترددين عليهم. ويّعد الباعة المتجولين الأكثر تضررا نتيجة ارتباط نشاطهم بساعات العمل الصباحية والتي كان الموظفون والعمال خلالها إما في أماكن عملهم أو جالسين في منازلهم أمام التليفزيون لمتابعة الأحداث؛ فأصبح البائع المتجول عاطلاً عن العمل، حتى وجد ضالته في ميدان التحرير. فخلال التظاهرات وبعدها، تحول الميدان إلى خلية نحل تحتضن المئات من الباعة المتجولين في مساحة صغيرة تكتظ بمئات الآلاف داخله وفي الشوارع المتفرعة منه، ما جعل الطلب على بضاعتهم يزداد، بل انهم اصبحوا الممول الوحيد تقريبا لمتطلبات «الثورة» اليومية. ويقول الشاب الناشط عزيز أبو علي والذي لم يغادر الميدان طيلة فترة الاعتصامات إن «الباعة المتجولين شكلوا بقالات وأكشاكا متحركة داخل الميدان وكل ما تحتاجه تجده حتى صابون الغسيل وفرش الأسنان والمعجون والكبريت في متناول المعتصمين». وأضاف: «الطريف في الأمر أن هؤلاء تجدهم يهتفون ويرددون الأناشيد والأغنيات الوطنية وكأنهم جاءوا من أجل موقف ثوري». وتدخل في الحديث شاب يدعى أحمد، وهو بائع نظارات شمسية داخل الميدان، قائلا: «أنا كنت أكسب مبلغاً متواضعا حتى في الأيام العادية قبل يوم 25 يناير، ولكني داخل الميدان أكسب كثيراً، خاصة ان أغلب المعتصمين في ساعات النهار يعانون كثيرا وهم يجلسون في ميدان فضاء طوال النهار، ولذلك كانوا يلجؤون لشراء نظارات شمسية»، وأشار إلى أنه لم يعد يخرج من الميدان حتى في الساعات المسموح فيها بالتجوال.
مشاركة وأطفال
أما شعبان أحمد محمود، وهو بائع متجول للحلوى والبسكويت، فأشار إلى أن أعداد الأطفال في الميدان «كثيرون في ظل وجود أسر بكاملها يجدون في الحلوى والبسكويت حلا لمطالب الصغار». وقال: «حتى الكبار تجدهم في الصباح وحتى التاسعة مساء يكثرون من شراء البسكويت والحلوى»، موضحا أنه وباعة آخرين «كانوا ينامون في ميدان التحرير وسط المتظاهرين ويشاركونهم التظاهر بعد أن فهموا كثيرا مما لم يكونوا يفهمونه من المطالبات السياسية وأهمية الشعارات التي ترفع». واردف: «أنا أسأل كثيراً وصادقت الكثيرين من المتظاهرين المعتصمين الذين أنام معهم داخل الميدان». واستطرد: «لكن كل ما أخافه أن يقل العائد من عملي بعد انفضاض المظاهرات في الميدان، خاصة انني قد قمت بتشجيع شقيقي للعمل داخل الميدان وهو الآن يجلس في الجزء الشرقي من الميدان».
تكافل اجتماعي
من جانبها، قالت ميساء سمير وهي واحدة من الفتيات اللاتي كن في التظاهرات: «لقد ظللت 16 يوماً مع أسرتي في ميدان التحرير ننام ونأكل ونشرب داخل الميدان، والباعة المتجولون كانوا يساعدوننا كثيرا وهم يحملون كل شيء، حتى علب الكبريت والسجائر والملابس والأحذية تباع داخل الميدان، فلم نعد نحتاج إلى شيء وكل ما نريده نجده.. الأكل والشرب والحلويات والمياه المعدنية والخيوط والصحف والكتب وغيرها». وأشارت إلى أن أكبر استفادة لهؤلاء الباعة أنهم «أدركوا من خلال الروح الثورية في ميدان التحرير معنى الوطن وضرورة الصدق في التعامل، حيث كانوا قبلها مهشمين لا علاقة لهم إلا بهذه البضائع القليلة التي يكسبون من ورائها جنيهات قليلة، ولكنهم تعلموا من وجودهم وسطنا كل معاني الوطنية وحب الناس لبعضها وهذا سيساهم في مجال التوعية الاجتماعية لقطاعات مهمشة سقطوا بفعل الوضع السياسي السائد إلى قاع المجتمع دون أن يعيرهم أحد قدراً من الاهتمام».