الملاحظ لما يجري بين الفعل الدبلوماسي بين الولايات المتحدة الاميركية والسودان يرى أن هنالك غموضاً كبيراً يكتنف تعامل واشنطن مع الخرطوم وخاصة ظلت الأخيرة في حالة سعي لتطبيع علاقاتها مع واشنطن التي دائماً ما تقف عند الحرس القديم حرس الحكومات السابقة ما قبل أوباما وبالأخص جورج بوش الابن الذي لاقت منه الخرطوم ما لاقت فكانت أولى تلك العقبات هي إدراج اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب لاعتبارات تراها واشنطن، ولكن وجود أسامة بن لادن لفترة من الفترات في العاصمة السودانية الخرطوم وإنشائه العديد من المشاريع التنموية التي تصب في مصلحة الاقتصاد السوداني أي لم تكن استثمارات تخص تمويل تنظيم القاعدة وحينها لم تكن الخرطوم تعلم أن بسبب ذلك الرجل في أراضيها سيكلفها ذلك دفع الثمن غالياً، لم تكن الخرطوم حينها وفي غمرة شعاراتها المناوئة لواشنطن أن تعى الأمر اهتماماً، خاصة وأن الحركة الإسلامية في السودان كانت تطمع أن تصدر إلى العالم تجربتها الإسلامية. ووجدت تأييداً كبيراً في ذلك في غياب تام للدبلوماسية الناعمة من قبل ساسة الخرطوم، حيث اتخذت سياسة المناطحة والتعنت والتحدي عنواناً لها، ارتبطت تلك الفترة من بداية عهد النظام الحالي بالمجاهدين و(الدبابين) وهى مجموعة شعبية من الذين كانوا يحاربون في جنوب السودان، وتسمية حرب جنوب السودان ضد الكفر واستهداف الإسلام، الامر الذى جعل قادة الحركة الشعبية فى جنوب السودان يمضون في تسويق بعد آخر لقضيتهم.

والحركة الشعبية لها خطاب متقدم فى محافل السياسة الخارجية اكثر من حزب المؤتمر الوطني في الشمال، أفرز هذا التقدم الخطابي بين الحزبين ظهور معسكرات جديدة إذ تعتبر الولايات المتحدة ان الخرطوم في طريقها لإنشاء بؤرة إرهاب جديدة، كما تسميها بذلك، وان الاجواء السودانية وبعد وضوح سياستها الاسلامية الى العالم هي مهدد حقيقي لأمن الولايات المتحدة، ومن هنا بدا التصنيف بين الموالين لواشنطن والذين يشكلون تهديداً لها، ولم تجد الخرطوم انها في حاجة الى نظرة الرحمة من قبل الولايات المتحدة، فهي بدأت في التحدي الفعلي ضاربة بذلك عرض الحائط بكل قرارات مجلس الامن ولم تكلف نفسها الرد على قرار واحد. وبعد اختيار ربان الاسلاميين حسن الترابي الشق المعارض لتلامذته نحت الخرطوم نحو تعديل سياستها ودخلت في نهج جديد وسياسة مرنة عنوانها التعاون التام مع واشنطن، وبدأت بجملة تنازلات كان عنوان واشنطن لها الحرب على الارهاب وجزرة رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب، وفي هذا السياق طرد اسامة بن لادن خارج اراضي السودان، وسلم الارهابي كارلوس على فرنسا، ودشن تعاوناً مخابراتياً سودانياً كاملاً مع الاستخبارات الأميركية، مع انتهاج اسلوب خطابي مرن مع واشنطن. وباتت الشعارات السودانية تأخذ طابعاً مسالماً ومتسامحاً مع اميركا وسط رغبة حقيقية في التطبيع.

ولم تكن الرغبة في التطبيع، وربما يحدث سقوط الرئيس حسني مبارك انفراجاً كبيراً في هذه العلاقة. ورغم كل الاسباب ستجد الخرطوم نفسها حققت تقدماً في علاقاتها مع واشنطن بعد سقوط مبارك، لتبقى جزرة واشنطن عصية الوصول إلى فم ساسة الخرطوم الى حين اتضاح صورة مصر الجديدة مع واشنطن.