إنه الشعب الذي أجبر الرئيس السابق حسني مبارك على التخلي عن الحكم، لكن الجنرالات الآن هم الذين يتولون السلطة. لقد تمخض عن الاحتجاجات المصرية التي استمرت ثمانية عشر يوما تدخل عسكري تسلل إلى حيز الوجود خلال عدة أيام زرعت بذوره في وقت مبكر من الأزمة. وبدأت بوادر حدوث تدخل عسكري بعد فترة وجيزة من إصدار مبارك أوامر إلى الجيش بالنزول إلى الشارع لاستعادة النظام بعد أيام من الاشتباكات الدامية بين المتظاهرين وقوات الأمن في القاهرة والكثير من المحافظات المصرية. وقال المحلل السياسي ضياء رشوان بعد تنحي مبارك وترك مقاليد السلطة للقوات المسلحة: «لقد استولى الجيش في الواقع على السلطة. إنها المشاركة المباشرة من قبل الجيش في السلطة وجعل مبارك يبدو وكأنه قد تخلى عن الحكم». واعتمد الجنرالات نهجا بطيئا بأن عرضوا على المصريين بعناية تلميحات إلى أنها تمسك بزمام الأمور. وأصدروا بيانات تصف مطالب المحتجين بالمشروعة، ووجهوا دعوات فاترة إلى المتظاهرين بالعودة إلى منازلهم والسماح باستئناف الحياة الطبيعية. وكان الجيش منقسما بين ولائه للنظام وللملايين من المحتجين.
بيانات الجيش
لكن بينما واصل مبارك تشبثه بالسلطة، تحرك الجيش بوضوح أكثر نحو السيطرة على مقاليد الأمور. وأظهر التلفزيون الحكومي وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي وهو على رأس طاولة تضم أكثر من عشرين جنرالا يرتدون الزي القتالي لكن في غياب القائد الأعلى مبارك. ولم يضم المجلس أيضا نائب الرئيس المعين حديثا عمر سليمان، وهو ما أثار شكوكاً بوجود خلاف بين المدنيين والقيادة العسكرية. وأصدر المجلس أول بيان له لم يشر فيه إلى مبارك أو سليمان. وفتح هذا البيان الطريق أمام توقعات المتظاهرين باستقالة مبارك. وبدلا من ذلك، أعلن الأخير أنه سيبقى في منصبه وسيسلم السلطة إلى سليمان الذي نصح المحتجين بالذهاب إلى منازلهم والتوقف عن مشاهدة القنوات الإخبارية الأجنبية. وأغضبت هذه التصريحات المتظاهرين والجنرالات أيضا. ويقول الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء صفوت الزيات: «كلا الخطابين اللذين ألقاهما مبارك وسليمان في الليلة الماضية مثلا تحديا للقوات المسلحة». وناشد زعماء الاحتجاج الجيش التدخل بعد خطاب مبارك، قائلين إن مصر سوف تنفجر ما لم يتدخل الجيش. لكن كان بيان رسمي يصدره الجنرالات مثبطا للهمة. فقد ورد في البيان رقم 2 ما بدا أنه تأييد متردد لمخطط مبارك للخروج من الأزمة، على الرغم من أنه تعهد أيضا بأن الجيش هو الضامن النهائي للمصالح العليا في البلاد. وقال الزيات إن لغة هذا البيان «كانت محاولة لتجنب حدوث صراع مفتوح». وفي وقت لاحق أول من أمس ومع خروج الملايين إلى الشوارع مطالبين بتنحيه، استجاب مبارك في نهاية المطاف لرغبات الشعب. ربما لم يحصل على فرصة ليعلن رحيله ويقول وداعا لشعب حكمه لمدة ما يقرب من ثلاثين عاما، لكن سليمان أعلن هذا القرار نيابة عنه.
وأصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بيانا ثالثا في وقت لاحق يشيد فيه بمبارك كزعيم فعل الكثير لبلده. وأشار إلى أن الجيش لن يبقى في السلطة لفترة طويلة، قائلا إن القوات المسلحة لن تكون بديلا عن الشرعية. ويقول المحلل العسكري الأميركي أنتوني كوردسمان: «الحقيقة هي أنه حتى كبار العسكريين الذين يمسكون بزمام الأمور الآن في السلطة ليست لديهم فكرة واضحة عما سيحدث بعد ذلك. وسوف يستغرق الأمر عدة أيام قبل أن يعرف أحد كيف ستمر المرحلة الانتقالية».
