فاجأ تنحي الرئيس المصري حسني مبارك سائر الأوساط والدوائر الأميركية. تطور مذهل كان خارج توقعات المسؤولين والمراقبين والمتابعين لانتفاضة مصر. وازداد استبعاده بعد كلمة مبارك مساء الخميس حين أكّد على رفضه مغادرة المشهد. وعندما قال مدير «سي آي ايه» ليون بانيتا أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس قبل ساعات من تلك الكلمة ان مبارك بات على عتبة التنحي، قوبلت زلّة لسانه بالاستهجان. حتى وسائل الإعلام أسقطتها من التداول لعدم جدارتها. لكن بعد أقل من ‬24 ساعة تبيّن أنه كان مع عدد قليل من أركان الإدارة و«البنتاغون» على علم بالأمر. البيت الأبيض سارع إلى تجيير الحدث وركوب موجته. لم تخف أوساطه علامات الارتياح. الاعتقاد في واشنطن أن إدارة أوباما كان لها دور في الإخراج ولو أن مداه غامض. لكنه دور فرضه زخم ساحة التحرير في القاهرة. كانت هي تلهث وراءه لاحتوائه ومحاولة الظهور في الصورة معه. بالرغم من ذلك، بقي الانطباع السائد بأن ما حصل في مصر كان بضاعة مصرية خالصة. ليس ذلك فحسب، بل انه كان موضع إعجاب إلى حدّ الانبهار بسلميته وإصراره عبر طوفان الردود والتغطية الإعلامية المكثفة.

أما اليوم التالي للتنحي، فإن التوقعات الأميركية الفورية بشأنه تشبه في غموضها وعموميتها تلك التي رافقت أيام الاحتجاجات. القاسم المشترك في الحالتين يتمثل في التصويب على القوات المسلحة المصرية. هي الآن في وسط الضوء كما كانت في الأيام السابقة وأكثر. مفتاح العبور إلى الضفة الأخرى صار بيدها. ثمة من يتحدث عن مخاوف من أن الجيش عندما يمسك بزمام الأمور يصبح من الصعب تخليه عنها، خاصة وأن هناك احتمال حصول تصدّع بين الحرس القديم والآخرين، كما يرى بروس رايدال، الباحث والخبير في مؤسسة «بروكينغز» للدراسات بواشنطن. قراءات أخرى تستبعد وصول الحال إلى هذه النقطة. «لا خوف من قيام ديكتاتورية عسكرية في مصر، بل من حصول عرقلة وتخريب على عملية الانتقال»، كما قال د. ناثان براون في كلية الشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن في رده على سؤال لـ«البيان». ما يجمع حوله المحللون هو أن الطريق صعب أمام حالة جديدة «وليس هناك حلول سريعة للتحديات المطروحة». القراءات الأميركية للحدث المصري الكبير جاءت في معظمها مشوشة. فيها كثير من التسطيح. ويعود ذلك في جانب منه، إلى ان الهبّة المصرية باغتت الجميع. كما احتوت على الكثير من الإسقاطات المغلوطة التي تعكس هواجس تتراوح بين التحريض والتخويف من ما يسمونها قوى التطرف الإسلامي، بعض أبواق اليمين عادت إلى هستيريا الاسلاموفوبيا، وبين العزف على وتر الأمن الإسرائيلي بصورة مفتعلة لمضاعفة الدعم للدولة العبرية والتهويل على الوضع المصري الوليد. لكن كما هناك تسليم بأن التغيير كان صناعة مصرية، هناك أيضاً اعتقاد بأن صياغة الوضع الجديد ستكون مصرية في الصميم، على حدّ ما قال البوفيسور براون.