وراء الحواجز في ميدان التحرير، ظهر فجأة جانب جديد ومتنوع بل ويتسم بأجواء احتفالية في وسط القاهرة. ففي الميدان، تقدم الأطعمة والمشروبات المجانية ويعزف البعض الموسيقى وتوفر طواقم طبية خدماتها ما يضفي شعورا بالانتماء للمجتمع. وحين يقوم أفراد الأمن المتطوعون بتفتيش الحقائب والتفتيش الذاتي، يتصرفون بود وأدب. ويريد المتظاهرون أن يشهد الجميع على انجاز يعتبرونه اعجازا. «مرحبا» و«تفضل».. التحية المعتادة بينهم. حتى حين يمسكون بدخيل لا يعاملونه بالطريقة التي اعتادها المصريون الذين يخالفون تعليمات الشرطة. تحيط مجموعة من نحو عشرة شبان بالدخيل ويصطحبونه عبر الجموع إلى مكتب أمن مؤقت في شركة سياحة. تستجوبه لجنة الامن المتخصصة سريعا خلف واجهة احد المحلات التجارية على مرأى ومسمع الجميع لمعرفة من الذي ارسله ولأي غرض ثم يسلمه الشبان للجيش المنتشر على مقربة.
فول وطبقات
قضى بعض المحتجين اياما وليالي في المنطقة التي يعتصمون فيها منذ يوم الجمعة قبل الماضي الذي أطلق عليه «جمعة الغضب». نصب بعضهم خياما على النجيل في الميدان الذي هو في الاحوال العادية محور مروري مزدحم في قلب القاهرة. وينام اخرون على الطرق في اي وقت من الليل او النهار منهكين من مهمة الحراسة التي يتناوبون عليها لحماية المحتجين. وعلى مدار الساعة يوزع الناس شطائر الفول وأكياس الخبز وعلب العصير يقدمونها لمن يريد. وتوافد الناس من جميع أنحاء البلاد.. أغنياء وفقراء.. متعلمون وأميون.. ليبراليون من الحضر ومزارعون من الريف.. يساريون واسلاميون. بعض النساء منقبات والبعض متحررات يرتدين الجينز الضيق و«تي شيرت». يرتدي أطباء ومحامون البدل بينما يتوافد غيرهم من الطبقة العاملة بأي ملابس لديهم مع شعورهم بضرورة الانضمام للحركة. وقال فرج عبد الصمد، 58 عاما، وهو صاحب مشروع صغير من محافظة المنيا وسط مصر انه ركب القطار الى القاهرة الاحد الماضي حين علم بما يحدث في العاصمة. وبمزيج من السعادة المفرطة والتوتر جلس فرج على الرصيف بجلبابه البني ويديه الخشنتين من العمل في الحقول. في هذه النسخة المصغرة من مصر تسمع تلاوات قرآنية ومحاضرات ملهمة عن مصر جديدة او عزف على الغيتار وأغاني شعبية تبث عبر مجموعة من مكبرات الصوت وضعت قرب مبنى مجمع التحرير.
استعدادات وإجراءات
لكن الانشطة في ميدان التحرير لا تقتصر على المرح واللعب. فالحفاظ على الانتفاضة يتطلب مهاما ملحة وفي بعض الاحيان خطيرة مثل خلع أحجار الارصفة لاستخدامها كمقذوفات وملء أجولة بالحجارة لنقلها الى الخطوط الامامية وتقطيع العربات المحترقة الى ألواح معدنية لاقامة حواجز والاهم حراسة مواقع الدفاع حين تشن المجموعات المؤيدة لمبارك هجمات. يتولى اخرون المراقبة في المقدمة ويقفون على براميل معدنية او على ظهور شاحنات عسكرية، فاذا ما رصدوا اقتراب عدو دقوا ناقوس الخطر بضرب أعمدة الانارة بقضبان معدنية او الواح خشبية وصاحوا: «تحركوا.. تحركوا» وتتدفق التعزيزات من الخلف. وبموارد محدودة صنعوا خوذا بدائية من اي شيء تقع عليه أيديهم حتى الكرتون وزجاجات المياه البلاستيكية التي يثبتونها بعضها الى بعض بقطع من القماش.
