جرت العادة في الخطاب الرئاسي السنوي أن يعرض الرئيس الأميركي قائمة انجازاته التي تحققت في العام الماضي ويؤكد على تمسكه بها وان يحدّد برامجه وتوجهاته الرئيسية للعام الجاري مع الإصرار على جدارتها. أوباما لم يفعل هذا ولا ذاك. الشقّ الأول أبدى استعداده لإعادة النظر فيه وتصحيحه إذا اقتضى الأمر وبناء لإلحاح الجمهوريين. والشقّ الثاني غير مصرّ على الانفراد فيه ودعا خصومه للعمل معه من أجل التوصل إلى الصيغ المقبولة بشأنه. حسم بخصوص مغادرته لنهج التغيير والإصلاح واختار خط التسوية باتجاه ملاقاة اليمين في منتصف الطريق. الذريعة أن الشعب الأميركي يريد من الحزبين العمل معاً لانجاز المطلوب.
غطاء لحجب حقيقة أن أوباما اعتمد هذا الخط بعد الهزيمة في انتخابات «الكونغرس» قبل ثلاثة شهور كتكتيك التفافي خوفاً من أن تتكرر الهزيمة في انتخابات الرئاسة التي تبدأ جولتها الأولى العام المقبل في مثل هذه الأيام.
في خطابه قدّم أكثر من ترضية محلية للجمهوريين. تجاهل أكثر من ملف يثير اعتراضهم. كما أعطى أكثر من مؤشر على استعداده للتوصل إلى حلول وسط بشأن قضايا تهمهم من خفض الإنفاق على المشاريع الاجتماعية والرعاية الصحية إلى موضوع الضرائب وغيره.
وبدلاً من التركيز على التفاصيل والفوارق بين مقارباته وبين طروحات الطرف الآخر، حرص على أن يغلب على خطابه الطابع الرؤيوي ولغة شدّ عصب النهوض الوطني من خلال استحضار تاريخ الانجازات الأميركية وتفوّقها ومخزونها المتجدد. وربما لاقت مثل هذه المخاطبة الاستحسان لدى الجمهور الأميركي لاسيما وأنه بارع في الأداء والحبك. وقد تكون ساعدت في ترميم صورته خاصة وأن رصيده قفز مؤخراً إلى فوق خمسين في المئة إثر التحسن الطفيف في الوضع الاقتصادي. لكنها جاءت لتحجب المسار التراجعي. والأهم أنها جاءت على حساب فضح التوجهات الخطيرة التي يدفع بها اليمين وبشراسة في «الكونغرس» وفي وسائل إعلامه النافذة. يضاف إلى ذلك، تجاهل أوباما لشؤون السياسة الخارجية التي مرّ عليها مرور الكرام في الدقائق الأخيرة من خطابه. الملف الفلسطيني غاب حتى مجرد ذكره لا من قريب ولا من بعيد. غياب يحمل بصمات الشبح الإسرائيلي. الملفات الأخرى من العراق إلى أفغانستان وإيران والسودان والعلاقات مع روسيا وكوريا الجنوبية لم تكن حصتها أكثر من إشارة عابرة . وحتى سيرة الحروب بدت وكأنها منسية. وحدها الأحداث في تونس حظيت بتصريح حيث أشاد أوباما بالذي حصل، مؤكداً «الوقوف إلى جانب شعبها ضد الدكتاتورية». كما حرص الرئيس الأميركي على التشديد بأن «المسلمين في الولايات المتحدة هم جزء من العائلة الأميركية الكبيرة».
والمعلوم أن بعض المناطق، مثل نيويورك، شهدت مؤخراً عودة لمناخات «الاسلاموفوبيا». وقد خصصت صحيفة «نيويورك تايمز» مساحة بارزة للموضوع. الخطاب المخصص للحديث عن حالة الاتحاد كان في الواقع عن حالة أوباما الذي يبدو أنه تجاوز نكسة انتخابات «الكونغرس» لكن من دون أي ضمان حتى الآن في أنه بات قادراً على تجاوز تحديات تجديد رئاسته.
