رجال شرطة يتظاهرون والشعب يقوم بتهدئتهم، وشباب يؤدون الصلاة جماعة أمام مبنى وزارة الداخلية، وشركات الاتصالات تفاجئ مشتركيها بشحن مجاني للخطوط مسبقة الدفع.
وزير أول يبكي على شاشة التلفزيون، وقاض متغطرس يطرد من حوار تلفزيوني مباشرة، وعلى مرأى ومسمع من المشاهدين، وعمال بسطاء يطردون رؤساءهم ومديريهم ثم يحتلون مكاتبهم.مواطنون عاديون يوقفون رجال أمن ليتثبتوا من أوراقهم وبطاقات هوياتهم، وأطفال في عمر الورود يقفون فوق دبابات الجيش ليلتقط لهم آباؤهم وأمهاتهم صوراً تذكارية. تونسيون من أوساط شعبية فقيرة، يدخلون قصور رموز نظام بن علي، ليتطلعوا على علامات بذخ ما كانوا يعتقدون أنه موجود في بلادهم، وساحات سطرت عليها الجماهير المتحدية لحظر التجوال، لتنادي بسقوط حكومة الوحدة الوطنية.كل شيء في تونس اليوم تداخل إلى درجة أصبح البعض يعتقد أنه في حلم. النكات والنوادر انتشرت بين الناس وعلى صفحات «فيس بوك»، حتى أصبحت ظاهرة يتجه الأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون لدراستها. تقول إحدى النكات:سأل مدرس تلميذاً: لماذا أنت غبي؟
مرت ساعتان وأنا أحاول إفهامك الدرس دون أن تستوعب شيئاً؟فرد عليه التلميذ: الرئيس بن علي قضى 23 عاماً دون أن يفهم، فلماذا تستنكر عليَّ ساعتين من وقتك؟تقول أخرى: استيقظ مسؤول عربي كبير من نومه ليفاجأ ببن علي أمام خزانته يحاول سرقتها، سأله: ماذا تفعل هنا؟ فأجابه: كنت في طريقي إلى الحمام، ولكن للأسف «غلطوني.. غلطوني» (أوقعوني في الخطأ).إحدى الأمهات قالت لابنها: ولدي سيأتي يوم تروي فيه لأبنائك قصة بن «علي بابا» و«الأربعين طرابلسي».والتونسيون يطلقون على النفاق وتغيير المواقف بسرعة اسم «قلبان الفيستة»، أي أن يقلب المرء سترته تعبيراً عن الانقلاب في رأيه وموقفه، أحد الشباب يقول: المنقلبون على مواقفهم محظوظون لأن الثورة جاءت في فصل الشتاء حين الجميع يرتدي السترات، ومن السهل عليه قلبها.
المعارضون لم يفلتوا من التهكم والتنكيت، إحدى النوادر تقول إن منصف المرزوقي (زعيم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية) زار محافظة القصرين لعقد اجتماع شعبي في إطار العمل على كسب القواعد الشعبية، وهنا وبعد أن ألقى خطاباً حماسياً، اكتشف ضياع هاتفه النقال، فبدأ يسأل: هاتفي.. أين هاتفي؟! ليرد عليه الجمهور: أنت لم تستطع أن تحافظ على هاتفك، فكيف ستستطيع المحافظة على البلاد بعد أن تصبح رئيساً لها.
كانت روح الفكاهة حاضرة خلال ثورة التونسيين على نظام رئيسهم المخلوع زين العابدين بن علي، وكانت النكات والنوادر تحتل موقعا مهماً سواء في الشوارع أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت.
إحدى النكات كانت في شكل إعلان: «للبيع بسبب الرحيل: بنوك، مدارس، شركات طيران، شركتا اتصالات، 4 إذاعات خاصة، أراضي، قصور، نيابات، سيارات، نمر، قاعة حلاقة، وطائرات خاصة للاتصال: 07. 11. 87 (في إشارة إلى بيان السابع من نوفمبر 1987 الذي تولى بعده الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي مقاليد الرئاسة في تونس).إعلان آخر راج على الفيس بوك «بلد يبحث عن رئيس أصلع الرأس، مقطوع من شجرة، وعاجز جنسياً» حتى لا يتزوج من حلاقة، ولا يأتي بأقاربه إلى السلطة، ولا ينجب أبناء يسطون على أملاك الشعب.
يقول الممثل الكوميدي التونسي الهادي بن عمر، الذي تعرض للسجن في عهد بن علي بسبب تسجيلات قام خلالها بتقليد صوت الرئيس المخلوع، أن الثورة الشعبية فجرت في التونسيين روح الكوميديا وأكدت أنهم يمتلكون فائضاً من روح السخرية بعد أن تحرروا من الخوف.في العام 2008 ألقي القبض على الهادي بن عمر بسبب مواقف ضاحكة راجت على شبكة الانترنت وعن طريق الهاتف الجوال، منها موقف قلد فيه الرئيس بن علي وهو يحتضن ولده محمد. ويرى نجم الكوميديا الأول في تونس الأمين النهدي أن الشعب صنع الثورة، وكذلك ألّف أعظم نص أدبي كوميدي ساخر من خلال النوادر والنكات والمواقف التي أطلقها منذ بداية الهبة الشعبية من سيدي بوزيد في 11 ديسمبر الماضي، ويضيف «إن انتشار السخرية من الحاكم، يعني أنه سقط من عيون الجماهير، وإن لم يعد ذا هيبة ووقار، وأن أيام سقوطه قريبة، وهذا ما لم يفهمه بن علي إلى أن انهار نظام حكمة في 14 يناير
