تودع أم شابة جيرانها وهم يحزمون متاعهم مغادرين حيا فقيرا بالخرطوم قطنوا فيه لأعوام قبل أن يقرروا العودة إلى موطنهم بجنوب السودان، مستبشرين خيرا بقرب تحقيق حلم الاستقلال، ولكن أجاك ماجاك لا تشاطر جيرانها هذه البهجة، فقد قررت البقاء مع أطفالها الثلاثة. تقول ماجاك البالغة من العمر سبعة وعشرين عاما إنها لن تتمكن من مغادرة شمال السودان لبعض الوقت. فأطفالها في المراحل الدراسية كما أن لديها وظيفة رائعة، ولكنها في الوقت الحالي تتوجس خيفة من التعرض لهجمات على يد شماليين يغضبهم الانفصال الوشيك للجنوب. وقد انعزلت داخل منزلها الآمن لمدة الأسبوع الذي يشهد عملية الاستفتاء بشأن الاستقلال الذي بدأ في جنوب السودان وبين الجنوبيين الذين يقطنون الشمال. وتقول: «إنني خائفة فعلا.
سأخرج في اليوم الثاني أو الثالث إن مضى الاستفتاء على ما يرام. وإن لم تمض الأمور كما ينبغي فسوف أبقى حبيسة المنزل». ويعد موقف الجنوبيون في شمال السودان، والمقدر عددهم بمليون ونصف المليون إلى مليوني نسمة، من الموضوعات الكبرى التي لا بد من معالجتها عبر المفاوضات بين الشمال وجنوب السودان إن اختار الجنوبيون الانفصال كما هو متوقع من خلال الاستفتاء. ويشعر عشرات الآلاف من الجنوبيين المقيمين في الشمال سواء لفترات قصيرة أو طويلة بالقلق.
وقد أكد مسؤولون شماليون أنه إذا أصبح جنوب السودان أحدث دولة أفريقية فسوف يجرد الجنوبيون في الشمال من جنسياتهم ومن وظائفهم. واكتظت الأحياء العشوائية التي بنيت في الأراضي الصحراوية المحيطة بالعاصمة وغيرها من مدن الشمال باللاجئين القادمين من الجنوب.
وأطلق على الحي الذي تقطنه ماجاك اسم «جبرونا» بحسب ما أطلق عليه قاطنوه الجنوبيون. وهي كلمة عربية معناها «لقد أكرهونا على هذا». وبمرور الأعوام تمكنوا من الاستقرار وأصبحوا جزءا من نسيج المجتمع الشمالي، ولكنهم جزء يقاسي مرارة التمييز. وتتوق جارة ماجاك واسمها أجلينا إليل وهي تبلغ من العمر خمسة وخمسين عاما شوقا للعودة إلى وطنها. وهي تقول إن أحد أبنائها تعرض للموت طعنا خلال فترة إقامتها في الشمال التي طالت سبعة وعشرين عاما. وقالت: «لقد سئمت العيش هنا وكرهت الموت هنا. لقد حان وقت الرحيل».
