لا تقتصر التباينات بين شمال السودان وجنوبه على السياسة فقط، فالبنية التحتية متهالكة، وكذلك قطاع الصحة.. فالأمراض هناك (في الجنوب) «تضرب» بموجات قاتلة.
وبينما يخوض الجنوب، منذ الأمس، معركة الاستفتاء المصيري.. تخوض منظمة «أطباء بلا حدود» معركتين: مواجهة الأمراض القاتلة في الجنوب والشمال والغرب، ومعركة «عدم الانفصال»، فالمنظمة تبدي قلقاً من أن يؤثر الانفصال المرتقب للجنوب على ديمومة عملياتها وأن تتعطّل بفعل الحدود التي سيتم تنصيبها إذا قرر الجنوبيون تأسيس الدولة.
«البيان» استطلعت، عبر لقاء مع رئيسي بعثتي منظمة «أطباء بلا حدود» في شمال السودان وجنوبه، الوضع الصحي في شطري السودان، ووقفت على الفارق بين الجانبين في الجانب الصحي. ففي الشمال المرض الأول هو الملاريا، يتبعه الإسهال.. أما في الجنوب فمرض الكلازار (الذي تتسبب به عضة ذبابة الرمل) هو الأول يليه الملاريا.
ويقول رئيس بعثة «أطباء بلا حدود» في جنوب السودان روب ميلدر لـ «البيان» إن مناطق الجنوب تعاني من نقص الغذاء والقحط الذي يتسبب في أمراض سوء التغذية والتي تزداد باضطراد.. كما لا ينفي تأثيرات الجانب الأمني سواء في الجنوب أو دارفور أو حتى في الشمال، ورأى أن السودان يعاني من «نزيف الموت» بسبب الأمراض، والعراقيل التي تواجهها مهمة «أطباء بلا حدود» في هذا البلد، إن لجهة الصعوبات الجغرافية، أو الصعوبات الأمنية.
أما رئيس بعثة المنظمة في الشطر الشمالي من السودان قيم موليني فيقول إن الوضع الصحي في السودان متباين بدرجة كبيرة كونه بلد عملاق وشاسع المساحة (نحو 2,5 مليون كيلومتر مربع)، فالوضع الطبي في الخرطوم مثلاً لا يشبه بأي نسبة الوضع في مناطق أخرى سواء في الشمال أو الجنوب، ويشير إلى أن هناك مناطق كثيرة خارج «نطاق تغطية» البرنامج القومي للصحة والوقاية.
لا حدود للأطباء
وبعدما يشدد موليني وميلدر على ضرورة استمرار عمل «أطباء بلا حدود» بعيداً عن أي حدود قد يرسمها استفتاء 9 يناير: ويقولان ان «عمل أطباء بلا حدود يجب دوماً ألا تقيّده حدود».. يجتهد المسؤولان في الدفاع عن سجل المنظمة التي يؤكدان على أنها تجتهد في الاستجابة بكل بؤر المرض منذ نحو 40 عاماً بكل ما أوتيت من قدرات لوجستية ممكنة، رغم ضعفها في بعض الأحايين.
ويشدد ميلدر على أن المنظمة تسعى إلى إيصال العلاج للمنكوبين لحمايتهم من الموت «إذا تمكنت الفرق الطبية من الوصول إليهم.. أو إذا تمكنوا هم من الوصول إليها». ويتابع القول إن جنوب السودان يعاني فقراً في توفر أماكن الرعاية الصحية، فبعد عقدين من الحرب، ورغم مرور خمس سنوات على اتفاقية السلام، لا يزال عدد العيادات والمراكز الطبية محدوداً، لذا فهو يعتبر أن «أطباء بلا حدود» جهة إسناد ودعم لوزارة الصحة السودانية.. وبخاصة في المناطق البعيدة والنائية. وفي هذا الصدد يقول ميلدر: «نحن نقفز فوق الفجوات»، و«نحن جاهزون على الدوام للتعامل مع موجات الأوبئة» سواء في الجنوب أو الشمال أو أي بقعة من القارة الإفريقية.
لكن المسؤولين (أولهما من فرنسا والثاني من هولندا) يشيران إلى صعوبة الحركة اللوجستية سواء في شمال أو جنوب السودان نظرا لرداءة وضع الطرقات أو لعدم وجودها أصلا، وبالتالي تضطر فرق «أطباء بلا حدود» للاستعانة بطائرات الهليكوبتر لنقل الأطباء والممرضين والمعدات.
امراض وإمكانات
ويقول ميلدر إن وزارة الصحة السودانية لا تمتلك الإمكانات التي تمكنها من تغطية الرقعة الجغرافية الكاملة للسودان.. ويشير إلى أن «أطباء بلا حدود» تمكنت قبل أيام قليلة، مثلاً، بعد صعوبات كبيرة من الوصول إلى إحدى المناطق الحدودية لتجد نحو 160 ألف شخص كانوا مهددين بالموت جراء تفشي مرضٍ مُعدٍ. ويقول: «إن الذي يقتل الناس هو عدم الاستطاعة من الوصول إلى العلاج».
ويضيف زميله موليني القول: «نجد بعد أن نصل إلى بعض المناطق أن عدداً من الأطفال (وبخاصة من هم دون الخامسة) قضوا قبل ساعات قليلة نتيجة إصابة بصعوبات تنفس.. هو مرض بسيط، ولكنه مميت إن لم يتم توفير الرعاية الطبية». ويقول: «لأنه لا يوجد طبيب.. ولأنه لا يوجد دواء.. تكون النتيجة وفاة». يشار إلى أن المنظمة واجهت خلال السنتين الماضيتين عراقيل سياسية أفرزتها حالة عدم الثقة التي تنتظر من خلالها السلطات السودانية إلى عمل المنظمة، وبخاصة في دارفور، ويتحدث موليني لـ «البيان» عن صعوبات تحول دون وصول مساعدة «أطباء بلا حدود» إلى بعض المناطق، وفي هذا الصدد يضرب دارفور مَثَلاً، حيث العمل تحيطه مصاعب جمة، أحدها الخطف، فضلاً عن الشبهات السياسية التي تتسبب في عداء السلطات.
