الاعتقاد السائد في واشنطن أن الاستفتاء بات بحكم الحدث الحاصل في موعده والمعروفة نتائجه سلفاً. أجواء الشكوك والمخاوف التي كانت سائدة في الفترة الأخيرة تراجعت إلى حدّ بعيد. ثمة اطمئنان وارتياح واضحين بأن العقبات والإجراءات التي كان يخشى من أن تعرقل العملية لم تعد تشكل خطراً عليها. إما تمّت معالجتها أو حصل توافق لتأجيلها وتجاوزها بحيث تأخذ الأمور مجراها المرسوم. تعزّز هذا الاعتقاد بعد الزيارة التي قام بها الرئيس عمر البشير إلى جوبا، قبل أيام وما رافقها من تأكيده على الترحيب بنتائج الاستفتاء والقبول بها إذا ما تمخضت عن الانفصال. إدارة أوباما تستعد لتجيير الحدث إلى رصيدها، كأحد انجازات سياستها الخارجية. خاصة وإن الإشادة بدور دبلوماسيتها في هذا الخصوص، بدأت تتوالى من جانب الجهات الأميركية المؤيدة للاستحقاق، في الإعلام ومراكز الأبحاث والكونغرس.

الآن تنصب المداولات الأميركية على تحديات ما بعد الاستفتاء. الأمنية والسياسية والإنمائية. وأخطرها، احتمال انتشار وباء التقسيم في سائر أنحاء البلد، إذا خرجت الأمور عن السيطرة. أقربها، الخطر الأمني خلال الأيام الستة، المحدّدة للتصويت. وبالتحديد في منطقة أبيي، التي لم يتم التوصل بعد إلى تفكيك عقدتها. صواعق التفجير فيها هائلة ومحلية، من دون أن يكون موحى بها رسمياً؛ كما يقول ريتشارد ويليامسون المبعوث الخاص للسودان في عهد بوش. كما هناك خشية من الإشكالات الانتخابية، في هذه الفترة. أما التحديات الأشد خطرا فهي تلك التي قد ترافق الستة أشهر الأولى، المقررة كمرحلة انتقالية. من نزاعات قبلية وموضوع النفط وخطوط أنابيبه، فضلاً عن توزيع عائداته. وكثيراً ما يتوقف المراقبون، عند ما يسمونه ب «الوضع الرخو» في بقية السودان. وبالذات في دارفور. ويعترف وليامسون، خلال ندوة عقدتها أمس مؤسسة بروكينغز في واشنطن حول موضوع الاستفتاء «بأننا لم نفعل اللازم» في الفترة الأخيرة لقطع الطريق على هذه التحديات، كي لا تنفجر قنابلها وتنتشر شظاياها في سائر أنحاء البلاد. وهذا صحيح وخطير. فكل همّ الدوائر الأميركية المعنية، كان محصوراً في الآونة الأخيرة؛ بضمان التقيّد بالموعد. وعندما حسم هذا الأمر وصار على مسافة ساعات، بدأت الإدارة تتحدث وتقدم الوصفات؛ لمواجهة المخاطر. «لا بدّ وان يبقي المجتمع الدولي على حضوره في هذا الملف، كما أنه لا بديل عن مواصلة المفاوضات بصورة شفافة ومعالجة القضايا الاجتماعية والحرمان؛ في الجنوب كما في الشمال»، تقول غايل سميث، مساعدة الرئيس أوباما للشؤون الإنسانية وقضايا التنمية والديمقراطية؛ في ردها على سؤال حول المطلوب عمله، بعد الاستفتاء.