بات في حكم المتوقع أن تعاود إسرائيل قريبا، محاولتها لإخلاء سبيل جاسوسها جوناثان بولارد؛ الذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد في أميركا. وخروجاً على المألوف، تعمّد نتانياهو قبل أيام؛ الإعلان مسبقاً عن عزمه على التحرك في الخصوص وبطريقة مختلفة. فيما مضى كانت الحكومات الإسرائيلية تتعاطى مع هذا الملف، بالسرّ من خلال سياسة الكواليس. هذه المرة، قرّرت الحكومة مفاتحة إدارة أوباما بالموضوع، بصورة رسمية وعلى المكشوف. صيغة هجومية ملفتة. لكن التوقيت، ملفت أكثر.
ليس صدفة أن يصدر هذا الإعلان، عشية تسلّم الكونغرس الجديد لمهامه. هذا الأخير، بحكم تركيبته، غير مسبوق بالتصاقه بإسرائيل. وبالذات بحكومة نتانياهو. فهو، خاصة مجلس النواب، يتطابق معها، أكثر من أي وقت مضى؛ في الموقع والمقاربة والتوجه. ومن ناحية ثانية، يشاركها التنافر مع الرئيس أوباما. وليس سرّاً أن هذا الكونغرس ملتزم سلفاً بمشاكسة البيت الأبيض، للتخريب على رئاسته وتفشيلها، بهدف قطع الطريق على تجديدها. كما يمكن التوقع، من غير مجازفة، أن يواصل الرئيس؛ الذي ينأى عن المواجهة، سياسة التراجع وتقديم التنازلات لخصومه في الكونغرس. معادلة توفر فرصة لنتانياهو، ليستقوي بهذا الأخير ويحاول من خلاله تسويق مقايضة صورية لانتزاع عفو رئاسي عن الجاسوس بولارد.
والمعلوم أن إسرائيل سبق وجرّبت طرح مثل هذه الصيغة، لكن من غير جدوى. آخر مرة، كانت قبل أشهر، عندما تسرّب أن نتنياهو عرض مبادلة بولارد بوقف مؤقت لبناء المستوطنات. زعم أن مثل هذه الخطوة، تسعفه على إقناع شركائه في الحكومة بقبول الوقف. لكنه لم يقو.
وقبل ذلك، تكررت المحاولة، مع الرئيسين كلينتون وبوش. أيضاً، من غير نتيجة. هناك إجماع على عدم منح مثل هذا العفو. كافة المؤسسات، العسكرية والأمنية والاستخباراتية، أوصت بذلك. المعلومات التي مرّرها إلى إسرائيل، تمسّ الأمن القومي في الصميم؛ كما قال آنذاك وزير الدفاع، كاسبار واينبرغر. لكن مع ذلك، لم تتوقف محاولات إسرائيل للإفراج عنه. دأبت، من حين إلى آخر، على تحريك أنصارها ومفاتيحها وقواها النافذة في واشنطن؛ تحت يافطات من نوع أن بولارد « تجسس لصالح حليف لأميركا ». حالة جديرة بالأسباب التخفيفية. أو أنه قضى ما يكفي من العقوبة وصار «جدير بالرحمة». والنغمة الأخيرة، أن المعلومات التي أعطاها لإسرائيل « مضى عليها الزمن » ولم تعد لها قيمة أمنية أو استراتيجية.
الآن قرّر نتانياهو تغيير التكتيك والانتقال من المطالبة الدبلوماسية إلى المطالبة العلنية الرسمية. حملته المرتقب أن يثيرها تحت عنوان الاعتبارات الإنسانية بزعم أن حالة بولارد الصحية متدهورة، يراهن فيها على الكونغرس. ولا بدّ أن تراجع أوباما أمامه، في موضوع المستوطنات؛ قد شجعه على التجاسر وطرح هذا الموضوع كمطلب محق ومن موقع الهجوم. الرضوخ لإسرائيل يفتح شهيتها على المزيد من الاستفزاز والابتزاز. التجربة، تنطق بذلك. وبالتحديد تجربة الرئيس اوباما، الذي فاجأته حكومة نتانياهو بأكثر من إهانة استيطانية. الأرجح أن مسالة بولارد، لا يقوى أوباما على التصرف فيها. لكن « المكتوي بالحليب الساخن ينفخ في اللبن البارد».