يغطي هذا الكتاب حوالي 140 سنة تمتد من أواخر القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن الحادي والعشرين. وتتميز بأنها ترصد بمنهج يجمع بين العلم والتاريخ إنجازات المبدعين من البشر، وقد أضافوا بها أفكارا ومخترعات ودعوات ونبوءات علمية أدت إلى تطوير، وأحيانا "تثوير" حياة الناس على ظهر كوكب الأرض، ابتداء من الفرنسي "جول فيرن" وهو رائد الخيال العلمي الذي حلق بقارئيه منذ منتصف القرن 19 إلى حيث التبشير علميا بتحليق الطائرة، ثم إلى قاع البحار إلى حيث التبشير، العلمي أيضا، باختراع الغواصة، فضلا عن استشراف مستقبل السفر الفضائي إلى القمر، ثم إطلاق العنان إلى حيث التوصل إلى السيارة، بل وإلى آلة الفاكس قبل أن يعرفها الناس بنحو قرن من عمر زماننا المعاصر.

وقد عمد مؤلف الكتاب إلى عرض مادته، الاستشرافية كما قد نسميها، من خلال لمحات من ضوء بالغ التركيز سلطها على سيرة العديد من المبتكرين والمخترعين والمبدعين الذين مازالت أسماؤهم تتردد في عصرنا، وفي هذا السياق تناول سيرة "أديسون" مكتشف الكهرباء و"غراهام بل" مخترع الهاتف وغيرهما، إلى أن اختتم الكتاب بفصل موجز ومهم بالطبع عن رائد الإبداع الالكتروني "بيل غيتس" مشيرا إلى الكتاب الذي أصدره "غيتس" في عام 1995 بعنوان "الطريق إلى الأمام" حيث أودع ما يرنو إليه من تطوير جهاز الكمبيوتر إلى حيث يصبح أداة سائغة في متناول الجميع، أو يصبح "محفظتك الرقمية" الخصوصية، كما يذكر غيتس، في ذلك الكتاب.

 

ما برح الإنسان شغوفا بالمستقبل، يستوي في ذلك المتعلمون بل الذين بلغوا شأوا رفيعا في مضمار الدرس والبحث، مع الذين لم تتح لهم أقدارهم سوى نصيب بالغ الضآلة من التعليم، هذا إن كانوا قد حَصلوا هذا النصيب من الأساس.

ولقد شاءت عبقرية الخَلْق أن تحجب عن الناس رؤية المستقبل، ربما لكي تنصرف همتهم إلى تطوير الحاضر مدفوعين بطاقة الأمل، وهم في حال من الوعي بدروس الماضي.

لهذا ظلت القراءة في أسفار الغد أمرا جاذبا باستمرار لاهتمامات الناس، ومنهم من يدأب على فتح صحيفته اليومية المحّببة على تلك الصفحة الأثيرة لديه، أو لديها، وقد نشرت الصحيفة ما تصفه صناعة الإعلام بأنه طوالع الأبراج حيث يضاهي القارئ أو القارئة، بين ما هو منشور في خانة البرج المطلوب من آمال بالثروة أو أمنيات بالحب وربما وعود بالزواج، في مقابل ما قد يكون منشورا، لزوم التوابل الإعلامية المعروفة، من تحذيرات أو تنبيهات من مشكلات البورصة أو تقلبات العملة أو حتى مكائد الأصدقاء.

وفيما تظل نزعة التفاؤل أو التشاؤم ملازمة للسلوك البشري، فقد ظلت صفحات التاريخ حافلة بتجليات هذه النزعة، ابتداء من العصور القديمة التي ظلت تشهد قارئي الطوالع ومفسري الأحلام وممارسي حرفة التنجيم بكل أدوات الحرفة المذكورة، ما بين تأمل معالم اليد البشرية إلى قراءة فنجان القهوة المنزلية، إلى مناجاة أصداف الوَدَع البحرية، التي طالما اعتقد البسطاء أنها تحكي أسرارا، وتكشف المستور من مقادير البلاد ومصائر العباد.

وما بين التفاؤل والتشاؤم يحكي التاريخ العربي القديم كيف اتخذ النعمان بن المنذر ملك "الحيرة" يوما لسعوده ويوما لنحوسه، وتضيف الحكاية شبه الأسطورية أن كان "النعمان" وهو معاصر الشاعر الجاهلي "النابغة الذبياني" يدخل عليه الوافدون يوم السعود فيخلع عليهم ويكافئهم، ثم تشاء الأقدار أن يدخل عليه الوافدون يوم النحس فإذا به ينزل بهم أشد العقاب!

 

المنجّم في البلاط

تحكي صحائف تاريخ الأمم والملوك أيضا كيف كان المنجّم قارئ الطوالع - جزءاً لا يتجزأ من حاشية هذا العاهل أو ذلك الأمير.

وإذا كان تاريخ فرنسا بعد العصور الوسطى قد شهد المنجم الطبيب "نوستراداموس" (1503-1566) وهو يودع تنبؤاته بين دفتي كتاب ما برح ذائع الشهرة عبر العهود التي تلت. وقد أصدره تحت عنوان "القرون"، فلم تنج حتى أشد دول عالمنا المعاصر تقدما من حكاية قراءة الطوالع واستشارة النجوم، كيف لا وقد كان البيت الأميركي الأبيض يضم خلال حقبة الرئيس الأسبق ريغان في عقد الثمانينات شخصا مشتغلا بالتنجيم، وكان أيامها محل ثقة من جانب السيدة "نانسي" عقيلة فخامة الرئيس!

ومازال يشاهد المارة في شوارع الحواضر الكبرى في الولايات المتحدة يلمحون دكاكين صغيرة يشتغل أصحابها بقراءة الطوالع، وخاصة باستخدام أوراق اللعب وأحجار النرد وما يمت إلى ذلك من سبيل. ولأن أميركا هي بلد التناقضات، فهي أيضا تضم "جمعية مستقبل العالم"، أو هي "الجمعية العالمية للمستقبل"، المشغولة دوما بالإطلالة على مستقبل عالمنا، لا من باب الطوالع أو الأبراج ولكن من منطلق البحث العلمي القائم على أساس علم الإسقاطات الرياضية، الذي يستقي طروحاته ونتائجه من حركة الأحداث في الماضي، مستعينا في ذلك بأسلوب الاستيفاء العلمي المستند إلى الأرقام والإحصاءات.

في هذا الإطار يدخل تصنيف الكتاب الذي نتعامل مع صفحاته وفصوله في سياقنا الحالي حيث يحمل الكتاب عنوانا مألوفا ومثيراً للاهتمام وهو: استشراف المستقبل.

وقبل أن نتصور كقارئين أننا بإزاء كتاب جديد أصدره واحد من الفلكيين أو المنجمين، فإن مؤلفنا يعمد إلى نشر عنوان فرعي للكتاب في عبارة أقرب إلى التحذير تقول: من "جول فيرن" إلى "بيل غيتس"

والمعنى أننا بإزاء دراسة علمية تاريخية يحاول فيها صاحبها، الكاتب الصحافي الأميركي "جون مالوني" أن يتابع مسار المحاولات العلمية، التي حاول فيها الدارسون والباحثون أن يتخيلوا، بأسلوب مستند إلى ما توصلت إليه البشرية في دنيا البحث والتطوير وعالم الابتكار والاختراع ما يمكن أن يؤول إليه مصير البشرية، أو ما يمكن أن تتشكل به صورة المستقبل.

 

قراءة كتاب الغد

ولأن استشراف المستقبل باستخدام المنهج العلمي يمكن أن يكون موضوعا من الصعب استساغته بالنسبة لعامة القارئين، فقد أحسن مؤلف كتابنا اختيار الأسلوب الذي توخاه في عرض وتحليل مادة هذا الكتاب، وهو أسلوب الاستقصاء التاريخي لأجيال من المفكرين والفلاسفة والعلماء، الذين أطلقوا العنان لمخيلتهم المجبولة على التصور والاستشراف والتحليق في آفاق الإبداع والابتكار.

الأكثر من هذا أنه لم تكن جهودهم لتقصد إلى قراءة الطالع لفرد من الشعب أو عاهل من الحاكمين، بل كان دأبهم هو التبشير، فضلا عن التفعيل، لما ترنو إليه البشرية من تحولات، من حيث التعامل مع موارد وتجليات الطبيعة والقدرة على تسخير آلائها لخدمة الارتقاء بحياة الإنسان فوق سطح الأرض.

والمعنى أيضا هو ما يؤكد عليه مؤلف كتابنا من أن هذا كله إنما تم ويتم من منطلق التسليم بدور العلم في خدمة الناس، ولهذا فالكتاب لا يوغل في السفر خلال أحقاب التاريخ البعيد، بل هو يبدأ من القرن التاسع عشر، الحقبة التي شهدت أكبر تحولات في مسار حياتنا، ممثلة في الثورة الصناعية بكل ما ارتبط بها من تغيرات وإنجازات.

 

140 سنة من الابتكار

140 سنة هي المدى الزمني الذي يستغرقه البحث في هذا الكتاب، وبالتحديد من أيام الرائد الفرنسي الشهير "جول فيرن" الذي دخلت سيرته حوليات التاريخ الحديث مترافقة مع عناوين كتبه الشهيرة وفي مقدمتها عناوين فصيحة الدلالة منها ما يلي: من الأرض إلى القمر + 80 يوما حول العالم + 20 ألف فرسخ تحت سطح البحر + باريس في القرن العشرين (وهو الكتاب المنشور عام 1865).

يوضح مؤلفنا كيف عمد "جول فيرن" إلى اتباع أسلوب السرد والعرض الروائي، أولا لكي لا يشق على قارئ القرن التاسع عشر، الذي طالما اعتاد قراءة فانتازيا الروايات الضخمة من أعمال "بلزاك" الفرنسي أو "ديكنز" الإنجليزي، لاسيما وأن "فيرن" كان يقدم وجبة تجمع بين العلم والهندسة والميكانيكا في آن معا.

ويكفي لبيان عبقرية "فيرن" أن نتوقف مع واحد من فصول كتابنا، عندما أودعه من تصورات تنبؤات استشرافات للمستقبل في كتاب "باريس في القرن العشرين" لقد سلم العبقري الفرنسي مخطوط الكتاب إلى ناشره "بيير هتسل"، ولكن قوبل الكتاب بالرفض المباشر! لماذا؟ لأنه كان كتاباً يحكي عن حقبة مازالت بانتظار 100 سنة كي تحل على العالم، ولكن "جول فيرن" رأى فيها بعين الخيال العلمي مخترعات كانت في نظر الناشر الفرنسي أقرب إلى الخوارق وربما المعجزات.

 

أحلام مشروعة

يقول "جون مالوني" مؤلف كتابنا: لقد تكلم فيرن (سنة 1865) عن قطارات أوتوماتيكية (بعيدا عن طاقة البخار، وعن عربات لا تجرها الخيول، ولكنها تندفع بواسطة ماكينات تعمل بالبنزين، وعن مصابيح كهربية تحيل الليل المظلم إلى نهار ساطع، بل تكلم عن تحويل البرقية المرسلة عبر الأثير بواسطة التلغراف إلى "برقية مصورة"، وبذلك كان "جول فيرن" أول من تصَّور، بعقله المبدع وخياله الخصب، دخول آلة مستجدة في حياة الناس حملت بالطبع اسم "الفاكس"، لكن بعد أن وضع كتابه بنحو قرن من عمر الزمان.

في كل حال يحوي كتاب "استشراف المستقبل" لمحات بالغة الإيجاز وبليغة الدلالة حول نجوم هذا الفرع من مجالات الإبداع الإنساني.

هنا نقرأ عن رواد الطيران في العصر الحديث، ما بين الألماني "فون هيلنهولتز" إلى الأخوين "رايت" أول من حلقا في أميركا بطائرة إلى عنان السماء، ونقرأ عن ظروف اختراع "توماس الفا أديسون" للفونوغراف ومن قبله اكتشافه لطاقة الكهرباء. ونبتسم عندما يحكي لنا المؤلف عن تفاصيل اللقاء الذي تم بين رئيس أسبق للجمعية الجغرافية الأميركية وبين شاب نابه اسمه "الكسندر غراهام بِلْ" جاء إلى رئيس الجمعية وكان اسمه "غاردنر هوبارد" يبلغه أنه توصل إلى اختراع من شأنه تثوير عالم الاتصالات واسمه "التليفون"، واستمع الرئيس الموقر إلى تفاصيل الاختراع، وبدأ يقلب بين يديه تلك الآلة الصغيرة المستجدة في حياة الناس، كان ذلك في أواخر سبعينات القرن 19، يومها زّم رئيس الجمعية الجغرافية شفتيه ثم واجه مخترع الهاتف قائلا: آسف، ما هذا إلا لعبة صغيرة لا تجدي نفعا.

ثم أضاف قائلا: صحيح هي اختراع مدهش، ولكن من ذا الذي يهتم باستخدام هذه الآلة في يوم من الأيام؟

 

تقلبات القدر

ومن حسن الحظ أن "جراهام بل" لم ييأس إزاء هذا الإحباط، بل واصل المسيرة إلى أن شاع اختراعه العبقري في حياة الناس، وبعدها أصبح واسع الثراء، بل شاءت أقداره أن يصبح شخصيا رئيس الجمعية الجغرافية الأميركية ثم يتزوج ابنة "هوبارد" الذي كادت عباراته المستهينة تحرم البشر من اختراع ثوري ونفيس في عالم التواصل على امتداد أجيال شتى من القرن العشرين.

ويمضي مؤلفنا أيضا ليوضح أن استشراف المستقبل أو الطموح إلى التغيير لم يكن ليقتصر على الباحثين العاكفين في مختبرات التجريب، أو الغارقين بين رفوف الكتب وصنوف المراجع في أروقة المكتبات، ثمة رواية نشرها مؤلفها "إدوارد بالامي" خلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، عنوان الرواية هو: "التطلع إلى الوراء"، وربما جاءت أحداثها بعيدة عن الاهتمام لولا أمر واحد وهو أن المؤلف جعل أحداث الرواية تدور في عام 2000 (يعني بعد أكثر من 100 سنة من نشرها) في مدينة بوسطون التي مازالت تعد عاصمة الفكر والثقافة على الساحل الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة، كان الروائي المذكور يتصور مجتمعا يقوم على العدالة والفضيلة والمحبة وبساطة العلاقات والزهد في حيازة الممتلكات والأموال.

هذا المجتمع المثالي، "اليوتوبيا" كما يسميها مؤلف كتابنا، جعل الروائي الأميركي يحذف تداول النقود من حياة الناس ليحل محلها صكوكا أو كروتا يتم بمقتضاها دفع الأثمان وسداد التكاليف، وخاصة بالنسبة لمن يسافرون إلى أوروبا، ومن هذه الرؤى الخيالية ولدت الفكرة الأبسط التي أصبحت كما هو معروف جزء من حياة زماننا: بطاقات الائتمان

ولكن دخول هذه البطاقات إلى الحياة العملية كان لابد وأن ينتظر إلى عقد الخمسينات ثم ينتشر مع عقد الستينات من القرن العشرين، أي بعد نحو 70- 80 سنة استغرقتها نبوءة الروائي "إدوارد بالامي" كي تجري ترجمتها من فكرة استشرافية إلى أداة عملية باتت تنظم العلاقات المالية على اختلاف الشعوب والأقطار.

 

أديسون والسينما

عند منتصف كتابنا يعود بنا المؤلف من جديد إلى "توماس أديسون": في عام 1922 كان مكتشف الكهرباء ومخترع اسطوانة التسجيل الصوتي قد بلغ الخامسة والسبعين من العمر، وطبعا قُدر له أن يشهد مولد وتطور السينما، ويومها أذاع نبوءته التي قال فيها: أن الصورة المتحركة (يقصد السينمائية) مقدر لها أن تؤدي إلى تثوير نظامنا التعليمي بمعنى أنها في السنوات القليلة المقبلة سوف تحل محل الكتب المقررة على الطلاب، إن لم يكن بصورة نهائية فلسوف يتم ذلك إلى حد كبير.

ولقد رحل "أديسون" عن الحياة في عام 1931، ولماّ يتحقق بعد تصوره الاستشرافي لمستقبل دور السينما في حياة الناس، أو دورها الرئيسي في العملية التعليمية على وجه الخصوص. ولكن ربما تكون هذه النبوءة قد وجدت طريقها إلى التحقق على ضوء ما استجد على الساحة من وسائل سمعية بصرية مستخدَمة في دنيا التعليم وفي مقدمتها بالطبع التليفزيون وربما المذياع، فضلا عن السبل الالكترونية التي تنتمي إلى أسرة الكمبيوترات وفروعها المختلفة.

أخيرا يربط الكتاب عند فصوله الختامية بين الشخصيتين المحوريتين اللتين اختارهما لعنوان الكتاب وهما: "جول فيرن" الفرنسي و"بيل غيتس" الأميركي، موضحا أنه يربط بين الاثنين تاريخ من القرن 19 وهو 1863 وتاريخ آخر من القرن 20 هو 1995: في التاريخ الأول صدرت رواية "فيرن" التي ألمحنا إليها بعنوان "باريس في القرن العشرين" مبشرة بآلة الفاكس. وفي عام 1995 أصدر "غيتس" كتابه بعنوان "الطريق إلى الأمام" وفيه كان يستشرف مستقبل الوسيلة المحببة إلى وجدانه وقد بذل فيها، مع رفاق طريقه جهودا لا تنكر.

وتحدث "بيل غيتس" عن الكمبيوتر، وكانت رؤيته الاستشرافية لمستقبل هذا الاختراع تقضي كما يقول كتابنا (ص173) - بأن يتحول الكمبيوتر من ماكينة ضخمة الحجم (وقتها) وصعبة التناول والتشغيل إلا على يد الاختصاصيين، إلى حيث يصبح أداة صغيرة وفصيحة ودقيقة ومفيدة وأليفة لدى مستخدميه من كل الأعمار والتوجهات، وهنا أطلق "غيتس" نبوءته الاستشرافية يقول فيها: أريد أن يصبح الكمبيوتر هو المحفظة الرقمية (ديجيتال) التي تودع فيها ببساطة نقودك وأوراقك الشخصية، بوصفها محفظة الغد.

 

 

المؤلف: جون مالوني

عدد الصفحات: 194 صفحة

تأليف: جون مالوني

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: ايفانز آند كومباني، نيويورك، 2011