يحاول المؤلف في هذا الكتاب أن يجمع بين نقيضين في حياة فنانة حملت عند الأجيال الماضية لقب "أجمل امرأة في العالم" بوصفها نجمة ساطعة في مقدمة نجمات السينما في هوليوود عند منتصف القرن الماضي، فيما كانت هذه النجمة تعيش حياة أقرب إلى الازدواجية.

حيث كانت تمضي نهارها كما تقول سطور الكتاب في أستديوهات السينما، التي ظلت تسند اليها أدوار البطولة الأولى في أشهر أفلام ذلك الزمن وفي مقدمتها فيلم "شمشون ودليلة". أما الأمسيات والليالي فقد كانت النجمة "هيدي لامار" ترتكب فيها "حماقة" على نحو ما يصفها الكتاب، وهي حماقة إيجابية وبّناءة، حيث كانت تمضيها في المختبر العلمي الذي أنشأته في دارتها الأنيقة بعاصمة السينما الأميركية.

حيث كانت تتعاون مع زميل لها دراسة خواص جديدة في ترددات الأمواج اللاسلكية، كي تتوصل في نهاية المطاف إلى تطوير أجهزة الإرسال اللاسلكي بعيدا عن عوامل التشويش أو التداخل، وهو ما أفضى إلى النهوض بتكنولوجيا الاتصالات الحديثة التي كان من ثمارها في مجال الحرب استخدام أجهزة الإرسال في توجيه قذائف الطوربيد.

فيما كان من بين الثمار في هذا المجال المتطور امكانية التوصل إلى تكنولوجيا أجهزة الهواتف الخليوية المحمولة وأجهزة الجي. بي. إس لتحديد المواقع الجغرافية، وفيما كانت المجامع الفنية تشيد بنجومية "لامار" في دنيا السينما فقد اعترفت المجامع العلمية بما أحرزته في عالم التكنولوجيا، فكان أن منحتها براءة الاختراع في تخصص اللاسلكي، ثم احتفلت بفوزها بجائزة الاختراع القومية في أميركا في عام 1996 حين كانت "هيدي لامار" قد بلغت الثانية والثمانين.

 

عندما يترامى اسمها إلى آذان السامعين، فإن هذا الاسم يثير استغرابا من ناحية وأشجانا من ناحية ثانية فيما يستدعي ذكريات عن عصر فات، الزمن الجميل كما أصبح التعبير معروفا وشائعا من فرط التكرار. أما الاستغراب فهو بين صفوف الأجيال الشابة التي لم تكد تسمع بالاسم من قريب أو من بعيد، في حين أن الأشجان وذكريات الزمن الجميل هي التي تنفرد بها أجيال باتت الآن تطرق أبواب الكهولة بل والشيخوخة بعنف لا يخفى وإصرار عميق وشديد. نتحدث عن "هيدي لامار".

إنها ممثلة كانت عند منتصف القرن الماضي ملء الأسماع وقّرة الأبصار، كيف لا وقد اختارتها مجلة "تايم" في أحد الأعداد الصادرة عن المطبوعة الأميركية الشهيرة كي تطلق على "هيدي لامار" الوصف التالي: "أجمل امرأة في العالم".

وكان ذلك على وجه التحديد في عام 1945، وإن كان السبب الأصيل لهذا اللقب هو أن وجه النجمة الهوليودية الشهيرة والمليحة هو السحنة المحببة حسب الإحصاءات واستطلاعات الرأي إلى قلوب ووجدان الجنود الأميركيين الذين كانوا قد خاضوا وقتها غمرات وربما ويلات الحرب العالمية الثانية على مدار أربع سنوات أو نحوها من عمر ذلك الزمان.

بعدها، وفي عام 1949، بالذات اتسعت شهرتها على مستوى العالم كله، حين لعبت دور البطولة في فيلم يعد من أمهات الأعمال السينمائية، وقد ارتبط الفيلم باسم مخرجه الأشهر "سيسيل دي ميل" بقدر ما ارتبط باسم "هيدي لامار" نفسها، والفيلم حمل العنوان التالي: "شمشون ودليلة". وهي حكاية البطل الأسطوري الجبار الذي هدم أركان المعبد القديم انتقاما من خصومه ونسبت إليه مرويات هذا التراث قولته الشهيرة: "عليّ، وعلى أعدائي".

وقد أضافت الأسطورة أن قوة شمشون الجبارة كانت تكمن في شعر رأسه، وهنا أغوته "دليلة" بكل سحرها وجاذبيتها المغناطيسية وطبعا كانت نهايته عندما استطاعت أن تقص شعره ليفقد ما كان يتمتع به من قوة خارقة تحادثت بها الركبان.

 

بدايات المرحلة

هذه الساحرة ذات الجمال الفائق كانت "هيدي لامار" بطبيعة الحال، فتاة جاءت إلى أستديوهات السينما الأميركية في كاليفورنيا ولمّا تبلغ السابعة عشرة من عمرها، وكان ذلك عند منتصف ثلاثينات القرن العشرين، وكانت قد سبقتها شهرة لا تدعو للفخر بطبيعة الحال، بعد أن استغلوا فتنتها للظهور في فيلم شبه إباحيّ أخرجوه في تشيكوسلوفاكيا في تلك الأيام البعيدة بعنوان "النشوة"

اسمها الأصلي هو بالكامل "هدفيج إيفا ماريا كسلر" بكل إيقاعاته الجرمانية الوعرة، ولدت في فيينا، عاصمة النمسا في عام 1913 حين كان العالم على شفا الحرب العالمية الأولى، مؤذنا بقرب النهاية لإمبراطورية الهابسبورغ الباذخة التي كانت قد حكمت أقاليم النمسا والمجر في وسط أوروبا على مدار ما يقرب من 650 من السنين. كان والدها رجلا مثقفا حرص على مشاركتها في مطالعة الكتب والمؤلفات على اختلاف التخصصات، وكان تركيزه على نحو ما حكت ابنته في مراحل لاحقة من عمرها - ينصّب على أمر جوهري تقول عنه ما يلي: كان أبي حريصا على أن أتعلم كيف تدار وكيف تدور الأشياء، ما بين آلات الطباعة وحتى عربات الترام الكهربائي.

ومن هذه النشأة المثقفة بدأت مسيرتها نحو الإمعان في الإطلاع والتوسع في التماس المعارف على اختلاف التوجهات والتخصصات. لكن أقدارها مالبثت أن وضعتها على طريق أكثر تحديدا وتبلورا.

 

في مصانع السلاح

في سن التاسعة عشرة، زوجّوها من كهل واسع الثراء، كان يعمل في تصنيع الأسلحة، مما أتاح لها أن ترتاد مصانعه وتزور شركاته فكان أن اتسعت معارفها وتعمقت خبراتها عن صناعة السلاح من جوانبها التقنية والتجارية والسياسية على السواء.

هنالك جمعت الفتاة الألمانية ، الرائعة الحسن، بين جاذبية الأنثى وطموح المثقفة وتمرد الشخصية، و، عقلية مصممة على أن تطرق أبواب العلم والتكنولوجيا ودنيا الابتكار والاختراع.

وفي ضوء كل ما سبق تأتي أهمية الكتاب الذي نعيش مع فصوله وسطوره في هذا المقام، يبدو الكتاب من عنوانه، وربما من صورة غلافه، أنه يدور حول سيرة نجمة سطعت شمسها وتألقت جاذبيتها وذاع صيتها منذ ستة عقود قد تقلّ وقد تزيد، بيد أن الإطلاع على مثل هذا الجانب من سيرتها ليس مقصدا لنا، ولا كان هو الهدف المحوري للمؤلف من وضع هذا الكتاب، بقدر ما جاء تركيز مؤلفنا، الكاتب الأميركي "ريتشارد رودس"، على أن يتناول الوجه الآخر من العُملة التي كانت رمزا للجمال والسحر في جيل مضى، وقد حملت اسم "هيدي لامار".

هنا يتقصى المؤلف بداياتها التي بدأت، كما توضح الفصول الأولى من كتابنا بحركة التمرد على حياة الزوجة الصغيرة، والجميلة لثرّي جرماني أمثل يعمل في تصنيع وتجارة السلاح، وهنا أيضا يوضح المؤلف كيف كان تمردا دراميا، بمعنى أنه كان جديرا بامرأة فنانة أجادت من بَعْد حرفة التمثيل. في عام 1937 اتخذت "هدفيج كيسلر" قرارها، جمعت كل متعلقاتها الشخصية الأثيرة والنفيسة من الحلّي ومعاطف الفراء الثمين، وتنكرت في زي خادمة ثم هربت إلى العاصمة الفرنسية، باريس، ومنها إلى الحاضرة السينمائية هوليوود، التي سرعان ما رحبت بها، ثم تحولت بحياتها واسمها ذاته من "هدفيج كيسلر" إلى "هيدي لامار".

ولقد جاءت هذه التحولات على يد الخبراء في مؤسسة "مترو جولدوين ماير" السينمائية الشهيرة. بيد أن صفحات كتابنا لا يكاد يعنيها هذا الجانب اللامع بأضواء الشهرة، الجانب "النهاري" كما يسميه مؤلف هذا الكتاب، الذي يركز على الجانب "الليلي"، وفيما يتابع الكتاب هذه الثنائية هذه الازدواجية في حياة النجمة الشهيرة، فهو ينقل عنها نصيحة نراها غريبة حين توجهها إلى بنات جنسها حتى يأمن إليهن الجميع، وحتى تتاح لهن الفرص من جانب الآخرين، والنصيحة تقول في بساطة شديدة على لسان هيدي لامار: بوسع أى فتاة أن تأسر القلوب بفتنة شخصيتها، وكل ما هنالك يا عزيزتي - أن تقفي بغير حراك وتُظهري أمام الآخرين أنك لا تكادين تفهمين شيئا".

 

عن النشاط النهاري

لكن خلف هذا الستار من ادعاء الغباء كانت تكمن شخصية "هيدي" الحقيقية، وفيما كانت الشخصية "النهارية" تدور حول فن التمثيل أو فلنقل التشخيص أو التخييل، فإن الشخصية "الليلية" كانت شخصية المخترع الجاد مما كان يتطلب مزيدا من التعمق والجدية والتركيز، فلم تكن "هيدي لامار" فاتنة هوليوود، وجميلة جميلات العالم في زمانها، تحاول اختراع مسحوق جديد للتجميل، ولا أسلوب مستحدث في فن الماكياج، ولا صنف مستجد من ماركات الصابون أو الملبوسات، لقد كانت الممثلة الشهيرة تأوي في هزيع الليل إلى مختبرها العلمي الحافل بالآلات الدقيقةِ، والقابع في ركن مهيب من أركان دارتها البالغة الأناقة والفاخرة في أحياء هوليوود، كي" تخترع" أجهزة حديثة تنتمي إلى فن وعلم البحث اللاسلكي.

وفي هذا السياق يوضح لنا مؤلفنا "ريتشارد رودس" ما يلي: كانت اكتشافاتها العلمية وابتكاراتها التكنولوجية تدور حول فكرة تحمل علميا وصف "قفزات التردد للموجات الأثيرية"، وهي الفكرة أو الظاهرة التي كانوا يستخدمونها في زمانها (خلال الحرب العالمية وفي أعقابها) في عمليات التوجيه اللاسلكي لقذائف الطوربيد الحربية مع إتقاء غوائل التشويش اللاسلكي بدوره، من جانب الأعداء، ثم أصبحت الظاهرة تتجلى كما يوضح كتابنا أيضا - في ما أصبح يُعرف في زماننا الراهن بأنه الأسس العلمية التي تقوم عليها تكنولوجيا الهواتف الخلوية وأجهزة تحديد المواقع الجغرافية (جي. بي. إس)

 

من موسوليني إلى جيبل

ولأن مؤلف هذا الكتاب مثقف واسع الاطلاع وكاتب مقتدر فهو لا يتابع هذه الجوانب الليلية من حياة "هيدي لامار" الممثلة المخترعة من خلال أسلوب جاف أو تقريري وخاصة لدى عرض المواد والجوانب العلمية، بقدر ما يحافظ المؤلف من خلال تنوع سطوره على تشويق وجذب القارئ عندما يعمد إلى تطعيم هذه السيرة وهذه المنجزات بحكايات موثقة ومستقاة من حوليات ذلك العصر الحافل بدراما الحرب والصراع التي عاشها عالم ما قبل الحرب العالمية الثانية.

روما بعدها، وهو ما تنوْه به جريدة "جلوب آند ميل" الكندية (عدد 9/12/2011) حين تشير إلى ما حفل به كتابنا من حكايات وأقوال وربما أقاويل ارتبطت بشخصيات تشابكت أقدارها بصورة مباشرة وغير مباشرة مع أقدار النجمة الحسناء "هيدي لامار": وهنا يطالع القارئ الشغوف حكايات عن مشاهير تلك الفترة الحافلة ما بين الدكتاتور الإيطالي "موسوليني" في عالم السياسة إلى الروائي الأيرلندي الأشهر "جيمس جويس" في عالم الإبداع الأدبي، وما بين "هوارد هيوز" المليونير الأميركي غريب الأطوار إلى "كلارك جيبل" أشهر ممثلي هوليوود عند انتصاف القرن العشرين.

في إطار هذا كله، يوضح الكتاب كيف كانت "هيدي" توّد لو ترد الجميل لأميركا، بوصفها البلد الذي منحها اللجوء والشهرة والثراء فبذلت كل ما في وسعها كي تقدم له ولجيوشه اختراع تحديد المواقع الجغرافية وسبل الاتصال اللاسلكي بغير حواجز أو مشكلات التداخل أو التشويش- الشوشرة كما يقول الاختصاصيون.

 

الاعتراف المتأخر

لا يفوت مؤلفنا أن يتعرض لجانب الموضوعية حين يوضح أن مخترعات "لامار" جاءت متأخرة نسبيا، بينما كانت الحرب العالمية تضع أوزارها، ولكن الأهم هو أن إنجاز هذه الاكتشافات العلمية جاء بدوره ليفيد كما ألمحنا تطوير عمليات الاتصال والبث اللاسلكي عبر ترددات "الموجات القافزة" وهو ما أدى بدوره إلى المزيد من تطوير العديد من أجهزة الاتصال الالكترونية المعاصرة، خاصة وأن "هيدي لامار" وزميلها المؤلف الموسيقي "جورج انثيل"، الذي تعاون معها في مجال ضبط عنصر التزامن في آلات البيانو، فضلا عن تطوير آلات الموسيقى الالكترونية، التي ما لبث أن شاع استخدامها في عالمنا كل هذا أفضى بهما إلى تسجيل براءة اختراع مازال يحمل اسميهما في هذا المضمار.

ورغم أن الجماهير العادية ظلت تربط بين اسمها وبين نجوميتها السينمائية، فلم يفُت النقاد والمحللون في ميدان البحث العلمي أن يحمدوا لها ما حققته من منجزات في ميدان البحث والتطوير، وهو ما عبّرت عنه جريدة "نيويورك تايمز" التي ينقل عنها مؤلفنا ما يصفه بأنه إشادة الاعتراف بعقلها (يعني بخلاف حكاية الاعجاب بجمالها). يومها كتبت التايمز سطورا تقول فيها:

لقد كان الاكتشاف الذي توصلت إليه "هيدي لامار" حيويا بالنسبة للدفاع الوطني لدرجة أن المسؤولين الحكوميين قرروا ألا ينشروا تفاصيله في أوانه. وطبعا كانت الجريدة تومئ إلى اعتباره سرا من أسرار الدفاع القومي، وعندما انتهت الحرب وأذيعت التفاصيل شهدت أسواق النشر والثقافة والإعلام إشادة بالمخترِعة ما بين إصدار الكتب ونشر المقالات وتعميم الإعلانات (ومنها ما قامت به شركة بوينغ الشهيرة لصناعة الطائرات)، ولدرجة أن أعلنوا عيد ميلادها في 9 نوفمبر من كل عام على أنه يوم "المخترع الوطني" في أقطار أوروبية شتى منها ألمانيا والنمسا وسويسرا. أما في أميركا فقد مضت الأيام إلى أن جاءها التكريم ولو في أواخر العمر، كانت "هيدي لامار" قد شارفت الثانية والثمانين، وكان ذلك في عام 1996، وحينها أقاموا احتفالا في تكريمها ومنحها الجائزة السنوية لرواد الاختراع من جانب المؤسسة القومية للعلوم الالكترونية.

وفي تحليله النقدي لهذا الكتاب يتوقف الكاتب "جون آدمز" عند عنصر الغرابة التي ينطوي عليه التعاون الذي ظل قائما في مجال اللاسلكي والموجات والترددات الالكترونية بكل مشكلاتها وتعقيداتها النظرية والتجريبية بين اثنين من أهل الفن: أولهما ممثلة نعمت بالشهرة وأدوار البطولة على مستوى الشاشة الفضية، والثاني مؤلف موسيقي كان طموحا إلى مزيد من استخدام التكنولوجيا لخدمة الإبداع الموسيقي عازفا ومفكرا وممارسا. ثم يصل ناقد "التايمز" (عدد 15/12/2011) إلى ملاحظة أخرى ثاقبة يقول فيها:

وراء هذه القصة الفريدة لهذا التعاون تكمن أمور أشد عمقا وأبلغ دلالة يلمسها مؤلف هذا الكتاب، وفي مقدمتها ضرورة تبديد تلك التحيزات (الذكورية) التي كثيرا ما تتبدى بحق النساء الجميلات والنساء النابهات. والإشارة هنا تلمح في تصورنا إلى أن الجمال لا يصادر على الذكاء، وأن النباهة يمكن أن تقترن بالجمال. ولأن الأهم هو نوعية المحصَّلة الناتجة، فما بالنا عندما تُسْلم مثل هذه المحصلة إلى المزيد من تطور أساليب الحياة بما يضفي عليها المزيد من النفع والإيجابية والتيسير.

 

 

عدد الصفحات: 261 صفحة

تأليف: ريتشارد رودس

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مؤسسة دبلْداي، نيويورك، 2011