حين صدر هذا الكتاب، في الفترة الأخيرة، وصفته جريدة صنداي تايمز اللندنية بأنه سيرة شخصية كاملة الأوصاف، كما اهتمت به الأوساط الأدبية والأكاديمية في انجلترا بالذات، لأن الكتاب يتناول واحدة من الشخصيات التي ينتمي صاحبها أولا إلى مدرسة التاريخ في جامعة أكسفورد، فيما أثار صاحب السيرة أيضا كثيرا من أوجه الجدل وحالات الاختلاف بحكم تشابك السبل التي دارت عليها حياته، بعد أن عاش العديد من التحولات حين تقاذفته حرفة التجسس في سلك المخابرات البريطانية خلال مراحل الحرب العالمية الثانية، ثم عادت به أقداره أستاذا للتاريخ في أكسفورد، إلى أن جذبته مهنة الصحافة، فكان أن عكف على تزويد كبريات الصحف البريطانية بمقالاته لقاء مكافآت شخصية، كما يقول الكتاب.
بيد أن دوران عجلة الصحافة وضغوط كبار ناشريها، ومنهم بالذات روبرت ميردوخ ما لبثت أن أوصلت المؤرخ الذي تدور حوله فصول هذا الكتاب إلى أن أصدر أحكاما ما كانت متسرعة بقدر ما كانت مغلوطة، وجاء في مقدمتها تقييمه لنحو 60 مجلدا عرضوها عليه في مقتبل عقد الثمانينات من القرن الماضي وتحمل عنوان مذكرات هتلر وعندما خضع المؤرخ لضغوط اللحظة، وخالف ضرورة التمهل والتدقيق الجديرة بالباحث الأكاديمي، أصدر حكمه بأن المذكرات حقيقية وأن الذي كتبها بالفعل هو زعيم النازية الأشهر، ثم ثبت بعدها أن المذكرات كانت مزيفة، وكانت فضيحة فكرية مدوية يوضح مؤلف الكتاب أنها ظلت تلاحق المؤرخ هيو تريفور روبر إلى أن فارق الحياة في عام 2003.
ما زالت الأوساط الأدبية والفكرية في بريطانيا تحتفل بنشر هذا الكتاب الذي وجد طريقه إلى أسواق الكتب في الفترة القريبة الماضية. وترجع أسباب هذا الاهتمام إلى أن كتابنا جاءت سطوره وصفحاته كي تلبي حشدا متنوعا من أذواق واهتماما جماهير القارئين، وربما يأتي في مقدمة هذه الأسباب ما يلي:
أولا: أن الكتاب يدور حول السيرة الشخصية والأدبية أيضا لواحد من أهم مؤرخي بريطانيا في الجيل الحالي.
ثانيا: أن المؤرخ المذكور هو هيو تريفور روبر جمع في سيرته كل ما يروق لقارئ الإنجليزية، سواء بانتمائه ولو من بعيد لبعيد إلى طبقة النبلاء في المجتمع الإنجليزي، أو لفصول سيرته الذاتية الحافلة بالإنجازات والمغامرات، فضلا عن الإحباطات التي وصلت إلى حد المآسي أو الفضائح في بعض الأحيان.
ثالثا: إن هذه السيرة ارتبطت بأسماء شخصيات ذاعت شهرتها بالسلب وبالإيجاب وبعضها انتمى إلى ماض مازال ماثلا في الذاكرة المعاصرة، مثل الزعيم النازي أدولف هتلر، وبعضها مازال لاعبا على ساحة الاهتمام الدولي، مثل بارون الصحافة الصفراء وغير الصفراء روبرت ميردوخ.
ولقد يكفي أن نطالع معاً عناوين فصول كتابنا لكي ندرك من واقع فهرس محتويات الكتاب نوعية، بل وطرافة، وأهمية المادة التي يتألف منها متن الكتاب، والفصول اختار لها آدم سسمان مؤلف الكتاب العناوين المثيرة التالية: العاشق، المدمِّر، الجاسوس، الرحالة، المتصوف، الكاتب، اللورد، ثم الكائن المثير للجدل.
عن جفاف النشأة
لكن كتابنا يفتح الفصل الأول بصورة منطقية، حيث يحمل الفصل المذكور عنوان: الغلام الذي نشأ في بيئة تنحدر أصولها من سلالة قديمة متواضعة، وإن كانت تنتمي إلى طبقة تحمل ألقاب اللورد التي مازال لها احترامها المتوارث في مجتمع الإنجليز. والده كان طبيبا، ولكنه كان رجلا عبوسا مكفهرا كما يصفه مؤلفنا، ومن هنا نشأ بطل الكتاب في بيئة تفتقر إلى دف المحبة، وكيان الأسرة التي يستمد منها الصبي أسباب المودة أو دوافع التشجيع.
مع هذا كله اتخذ الفتى تريفور طريقه في سلك التعليم إلى أن وصل إلى المقصد الأسمى لأبناء جيله حين التحق بكلية كريست تشيرش في جامعة أكسفورد العريقة، وحصل منها على الماجستير لينضم إلى زمرة مؤرخي بريطانيا مع فاتح عقد الأربعينات من القرن الماضي، متزامنا في ذلك مع بدايات الحرب العالمية الثانية.
وقد شكلت هذه المصادفات الزمنية معلماً أساسياً في حياة وأعمال بطل كتابنا تريفور روبر الذي ارتبط اسمه، كما ستوضحه سطور مقبلة في سياقنا الحالي، باسم وسيرة هتلر الذي كان الشخصية المحورية في تطورات الأوضاع ومصائر الشعوب خلال الصراع الدموي الذي شهدته أيام الحرب العالمية على امتداد الفترة 1939 1945.
البداية بتاريخ إنجلترا
وإذ يتابع، وأحيانا يلاحق، كتابنا سيرة هذا المثقف الإنجليزي، فالمؤلف لا يتوقف كثيرا عند بدايات تريفور كمؤرخ حين أصدر كتابه الباكر عن تاريخ انجلترا وزعمائها الدينيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر: لقد انصبّت اهتمامات مؤلفنا بالأحرى عند الجانب الأكثر إثارة من حياة بطله، وهو المتمثل في أنشطة الجاسوسية أو بالأدق مكافحة التجسس حين اشتغل تريفور ضابطا في سلك المخابرات البريطانية خلال ذروة الحرب العالمية، ونجح كما يوضح كتابنا في فكّ أجزاء حيوية من شفرة البث الإذاعي الألماني وربما أفضى به هذا الاهتمام، فضلا عما أحرزه من نجاح في عالم الاستخبارات، إلى تركيز الاهتمام والانكباب على تجميع المعلومات المهمة التي أفادته ولاشك في وضع وإصدار كتابه الأهم الذي طالع به قراء الإنجليزية في عام 1947 بعنوانه الشهير التالي:
ز س.
وبديهي أن هذه الأيام الأخيرة كانت حافلة بأشجان دراما الإحباط بعد الانتصار وشعور الانهزام بعد نشوة الظفر التي كان الزعيم الألماني ينعم بها خلال بدايات الحرب، وقد استطاع المؤرخ الإنجليزي أن يجدل ما نَصِفه بأنه ضفيرة من دراما الزعامة وصراعات السياسة ومصائر الجيوش وآلام الشعوب، ومن ثم يقدمها عبر سطور الكتاب المذكور الذي أصبح في عرف النقاد الانجليز وغيرهم عملا كلاسيكيا تتكرر طبعاته بين حين وآخر.
وفي هذا السياق بالذات يضيف النقاد موضحين أن كتاب أيام هتلر الأخيرة صدر ليغير حياة بطل كتابنا هيو تريفور روبر بمعنى أنه تحوّل عن حكاية المتابعة، أكاديمية وغير أكاديمية، لأحوال وحوليات انجلترا عبر قرون غبرت من تاريخها إلى حيث بات مشغوفا، إلى حد الافتتان كما نتصور، بتاريخ الحرب العالمية الثانية وإرهاصاتها في عقد الأربعينات من القرن الماضي، وهو ما ساق إليه شهرة واسعة استمتع بها بقدر ما أصابه بكارثة محيقة زلزلت موقعه بين مثقفي قومه وظلت لعنتها تلاحقه حتى رحيله عن دنيا الأحياء في عام 2003 عن عمر ناهز 89 عاما بالتمام والكمال.
تحمل اللعنة العنوان التالي على نحو ما يوضحه كتابنا: مذكرات هتلر.
وكانت شهرة صاحبنا قد نضجت وتبلورت بوصفه خبيرا في الشأن النازي، وكانت الصحف البريطانية، حتى بعد سنوات من نهاية الحرب الثانية، لا تفتأ مشغوفة بحكاية الدعوات النازية وألمانيا الهتلرية كي ترضي أجيالا مخضرمة من قارئي الإنجليزية الذين عاش معظمهم ويلات الحرب ثم نعموا بحلاوة انتصار الحلفاء على الرايخ الألماني وكانوا يبغون بين هذا وذاك استعادة عبرة المعاناة وحلاوة الانتصار على السواء. يومها لم يكذّب بطل كتابنا خبرا، بادر إلى كتابة المقالات الصحفية وتحرير مقدمات الكتب الصادرة في هذه المواضيع، وطبعا لم يقصّر، كما يقول مؤلفنا في تقاضي مكافآت سخية عن هذا كله، إلى أن وقعت الواقعة التي ألمحنا إليها.
مازالت هذه الواقعة تعرف باسم الفياسكو بمعنى الكذبة الكبرى أو الخديعة - الفضيحة. وأصل الحكاية أن فكرت صحيفة صنداي تايمز البريطانية في نشر مسلسل صحفي حول مذكرات هتلر وقدموا مخطوطا حافلا إلى تريفور روبر بوصفه خبيرا محنكا ومؤرخا يشار إليه بكل بنان، كان ذلك على وجه التحديد في عام 1983، ويومها حبس القراء أنفاسهم انتظارا للحكم الذي يوشك أن يُصدره الخبير الأمثل بوصفه مرجعية موثوقة في هذا المضمار، وتحكي سطور كتابنا كيف سلموا مخطوط المذكرات الهتلرية إلى تريفور، وكيف بدأ الرجل في دراسة المخطوط، وربما كان مترددا في إصدار أحكام حاسمة أو قاطعة.
وربما كان يطلب المزيد من الوقت لزوم التأني وضرورات التريث والتدقيق مما هو جدير بحرفة المؤرخ ورصانة الدارس، وفي الوقت نفسه يتابع مؤلفنا حجم الضغوط التي مورست على تريفور، وكان مصدر الضغوط والإلحاح شخصية أصبحت معروفة للقاصي والداني: إنه رجل الصحافة المعروف روبرت ميردوخ- الملياردير اليهودي الذي جاء من استراليا في أقصى جنوب العالم كي يمارس سيطرته بأمواله الطائلة على صحافة انجلترا ومن بعدها صحافة وتليفزيون أميركا.
وطبعا تردد اسمه في صيف عام 2011 مع أصداء آخر فضائح الصحافة البريطانية، التي نشرت أنباء مغلوطة ومعلومات مضللة هي التي أدت كما أصبح معروفا إلى إغلاق واحدة من ممتلكات ميردوخ وهي صحيفة ذي نيوز أوف ذي وورلد بعد أكثر من قرن ونصف من عمر الصحيفة البريطانية، التي ظلت متخصصة في ثرثرة الصالونات وأخبار الفضائح على مدار عشرات من السنين.
مذكرات هتلر
يتابع مؤلفنا آدم سسمان مدى الضغوط النفسية وضروب الالحاح المتواصل التي لاحق بها ميردوخ جهود صاحبنا اللورد تريفور روبر (وكان قد منح اللقب في عام 1979) كي يصدر أحكامه في تحقيق وتوثيق مذكرات الزعيم الألماني التي تتلهف على مطالعتها جماهير القارئين.
وقد كان، أصدر روبر فتواه بأن المخطوط إياه صحيح وأنه يحوي مذكرات هتلر الأصلية حقا وصدقا. ثم اتضح بعدها أن المذكرات لم تكن سوى أوراق مزيفة وسطور منحولة، وإنه لم يكن ثمة مذكرات كتبها زعيم النازية الألمانية ولا يحزنون.
وطبعا كانت الفضيحة مدوية، وظل المؤرخ تريفور روبر يحمل ذنوبها على مدار ما تبقى من حياته من سنوات بلغت كما ألمحنا 20 سنة كاملة، أمضاها الرجل بوصفه شخصية خلافية يثور حولها الجدل ما بين المتعاطفين معه ممن كانوا يحتجون بإنجازاته خلال سنوات الحرب، وخاصة في سلك المخابرات البريطانية، جاهدا في فك شفرة النازي بكل ما حفلت به من طلاسم وألغاز وما بين الناقدين لتخلّيه عن رصانة المؤرخ وربما انصياعه لضغوط ميردوخ ناشر جريدة الصنداي تايمز التي كانت تكافئه بسخاء يحسده عليه الكثيرون، وربما لهذا السبب خصّص مؤلفنا فصلا كاملا لهذا التحول السلبي في سيرة شخصيته المحورية في الكتاب، وهو الفصل الذي يحمل عنوان مثير للجدل والخلاف.
وفي خضم هذه المشكلة التي أثارتها حكاية فياسكو المذكرات أو مذكرات هتلر الزائفة، نشط خصوم تريفور في انتقاد سيرته وأفكاره وطروحاته حتى ليصفه موريس باورا، وكان زميلا له بجامعة اكسفورد، بأنه روبوت بمعنى إنسان آلي يفتقر إلى الخبرة والتجربة الإنسانية، وتعوزه روح المودة ولا تحدوه أي رغبة في أن يحب أحدا أو يحبه أحد،. ومن نقاده من كانوا لا يتورعون حتى عن انتقاد حياته الزوجية، حين نددوا بزواجه من الكسندرا جونستون التي كانت تكبره بأكثر من 11 عاما.
شكوك وضغوط
بيد أن مؤلفنا يحاول إنصافه حين يشير إلى أنه كان مترددا بل معربا عن بعض الشكوك إزاء مصداقية المذكرات الهتلرية التي عرضوها عليه، ولكن حين قالوا للناشر ميردوخ إن المؤلف تريفور تساوره بعض الهواجس، فما كان من الملياردير إياه إلا أن بادرهم بقوله: انسوا هذا كله، وانشروا المذكرات.
على كل حال، فمازال كتابنا الذي نعرض له في سطورنا الراهنة يلقى تقريظا من جانب مقالات شتى صدرت أخيرا، حيث أشادت باهتمام مؤلفنا بتقصّي جوانب غير مطروقة من قبل من حياة بطل الكتاب، خاصة وأن هذه السيرة تشابكت مع حياة مشاهير العصر الآخرين الذين تتردد أسماؤهم وصورهم وجوانب تعاملاتهم مع المؤرخ البريطاني صاحب السيرة، ومن هؤلاء النجوم، الأميرة مارغريت، شقيقة ملكة بريطانيا، والليدي تاتشر رئيسة الوزراء السابقة والناشر روبرت ميردوخ نفسه (يحوي الكتاب 24 صفحة من صور المؤلف مع مثل هؤلاء المشاهير وربما تتجلى الميزة البارزة في هذا الكتاب حين يعمد مؤلفنا إلى متابعة الخطوط الفاصلة بين مهنة المؤرخ الأكاديمي وحرفة الكاتب الصحافي، وهو يومئ ولو على نحو غير مباشر، إلى ضرورة تمييز هذه الخطوط الفاصلة، وبأسلوب لابد وأن يتوخى أكبر قدر من الدقة، فالتاريخ لابد وأن يستند إلى الوثيقة، في حين أن الصحافة يمكن أن تصدر عن الآراء والتصورات. والخلط بين المجالين لا يؤول لصالح القارئ والمثقف في كل حال.
مع هذا فثمة شعور بنوع من التعاطف، أو فلنقل روح الاعتذار أو محاولة التبرير، إزاء موقف المؤرخ تريفور من مذكرات هتلر، فقد فوجئ تريفور كما يوضح مؤلف كتابنا- بذلك الكم الهائل من المجلدات التي زاد عددها على 60 مجلدا وقدموها له على أنها مذكرات الزعيم النازي التي طال انتظارها، وكان وقتها قد شارف على السبعين بعد أن تقاعد من منصبه كأستاذ لعلم التاريخ في جامعة أكسفورد، فيما ظل غارقا في دوامات الحقبة النازية وما سبقها وما أعقبها من أحداث ومستجدات على مشهد السياسة العالمية من الأربعينات إلى السبعينات.
ويشهد بذلك على نحو ما يوضح مؤلف كتابنا إصدارات بطل الكتاب العديدة والمتنوعة، وقد تراوحت بين دراسة متأنية صدرت بعنوان: توجهات هتلر خلال الحرب ودراسة أخرى عن مذكرات جوبلز وزير الدعاية في إدارة هتلر فضلا عن قيام تريفور بإعداد وتحرير كتاب طريف عن الجوانب غير الرسمية من حياة وسلوكيات زعيم النازية الشهير بعنوان: أحاديث هتلر حول المائدة. وقد أثارت هذه الكتب بقدر ما أثارت شخصية مؤلفها ذاته عواصف من الجدل والخلاف، منها ما لايزال يثار من حين لآخر حتى الآن.
على أن العمل الفكري الاستقصائي الذي يمكن في تصورنا أن يحوز اهتمام القارئ العربي لأنه يدور حول سيرة صحافي انجليزي كان شهيرا في عقد الخمسينات بالنسبة لأهل المشرق العربي، أولا لأن أباه فيليبي لعب دورا كبيرا في سياسات المنطقة عبر سنوات طويلة من النصف الأول من القرن الماضي، وثانيا لأن، الصحافي البريطاني المذكور كيم اختفى ذات ليلة وبغير سابق إنذار من مقر إقامته في بيروت، ليظهر من بعد في موسكو وليتضح أنه كان جاسوسا مزروعا لفترة طويلة في صفوف الإنجليز ولكن لحساب الاتحاد السوفيتي.
هذه الدراما شبه البوليسية، قدمها بطل كتابنا المؤرخ تريفور في كتابه الصادر عام 1968 تحت العنوان التالي: حكاية فيلبي: التجسس والخيانة وخدمة الاستخبارات السرية.
عدد الصفحات: 643 صفحة
تأليف: آدم سسمان
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: راندوم هاوس، نيويورك، 2011
